من يقرر متى يُنفَّذ القانون؟

بقلم الياس عيسى الياس

الدولة اللبنانية أمام اختبار إنفاذ القانون: مستودع الأدوية نموذجاً

حين تصل دورية من قسم المباحث الجنائية إلى مستودع أدوية في غاليري سمعان في 16 تشرين الأول 2026، وبيدها استنابة قضائية وإحالة رسمية من وزارة الصحة لضبط سلع مخالفة للشروط الصحية، ثم يُعترض عملها بتجمهر يطالب بتنسيق مسبق، ولا تُستكمل العملية إلا بمؤازرة الجيش…

حين يحدث ذلك، لا يعود السؤال تفصيلياً، بل يصبح بنيوياً: من يملك حق تقرير متى يُنفَّذ القانون، وأين؟

في تعريف ماكس فيبر، تحتكر الدولة وحدها العنف المشروع. وحين يُجزَّأ تطبيق القوانين جغرافياً أو يُخضع لموازين القوى، تتراجع الدولة عن دورها المرجعي لتصبح سلطة أمر واقع تتفاوض يومياً على صلاحياتها.

من هنا اكتست حادثة المستودع حساسيتها؛ فلم تكن مجرد ضبط لمخالفة صحية، بل اختباراً لقدرة المؤسسات على فرض قراراتها دون إذن مسبق من أي جهة.

وفي هذا السياق، صدر بيان حزب الله في التاريخ نفسه؛ إذ نفى الصلة التنظيمية بالمستودع ومحتوياته، لكنه اعترض على المداهمة لغياب «آلية التنسيق المتفق عليها». ولم يتضح من البيان مع من اتُّفق على هذه الآلية، ولا في أي إطار.

وإنْ كان التجمهر الميداني لا يُنسب رسمياً إلى الحزب، فإن موقفه المعلن يضعنا أمام تناقض يستوقف المتابع: من ينفي صلته بالمكان، لا يحتاج إلى أن يُستشار قبل دخوله.

وهنا يحسن التمييز بين مستويين؛ الأول هو التنسيق التقني الموجه حصراً لسلامة العناصر ومنع أي التباس ميداني، وهو إجراء معتمد في كل الدول ولا ينتقص من السيادة.

والثاني هو التنسيق السياسي: فحين يتحول التنسيق، وهو في أصله ترتيب ميداني مؤقت، إلى شرط مسبق أو حق نقض يعطل استنابة قضائية، فإن إنفاذ القانون يصبح وجهة نظر تخضع للموافقة المسبقة.

وقد يُقال إن الاعتراض استهدف شكل التنسيق لا أصل الصلاحية، غير أنه إن كان الاتفاق مع جهة خارج مؤسسات الدولة، فإن اشتراط إذنها يهدد بتعطيل جوهر القرار القضائي.

وقد رأى النائب أشرف ريفي أن المداهمة بمعزل عن التنسيق مؤشر إلى تحول محتمل في تعامل المؤسسات مع الحزب، داعياً إلى المضي في تطبيق القرارات القضائية بمنأى عن التدخلات.

ويزداد الأمر وضوحاً بالعودة إلى مصدر الإحالة. فلأن الإحالة صدرت أصلاً عن وزارة الصحة، فإن أي ملاحظة على التنفيذ مسارها الطبيعي مؤسسات الدولة، لا اشتراط تنسيق مسبق مع طرف سياسي، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود الاعتراض.

هذا الإشكال لا ينفصل عن سياق أوسع تتراكم فيه الوقائع؛ فشحنة المتفجرات في ضهر البيدر ما زالت موضع تجاذب في الروايات بين الأجهزة والحزب، واستعراضات الدراجات النارية في شوارع بيروت استدعت انتشاراً حاسماً للجيش.

وحين تُعالج كل واقعة كاستثناء، وإن اختلف الحكم على كل واقعة، فإن تراكم الاستثناءات ينتهي إلى ترسيخ قاعدة بديلة.

وهنا تبرز تجربة أيار 2008 درساً سياسياً ماثلاً: فحين جرى التراجع عن قرارات حكومية تتعلق بشبكة الاتصالات وإعفاء رئيس جهاز أمن المطار تحت ضغط السلاح، ترك ذلك ندوباً عميقة في الاستقرار، والأمن لا يستقيم على معادلة التسويات المؤقتة.

غير أن الحزم الرسمي يفرض حرصاً صارماً على استقلال القضاء وحمايته من أي ضغوط سياسية، أياً كان مصدرها؛ فالقوة الأمنية تحركت بناءً على قرار قضائي، وما يُوجَّه إلى إجراءاتها من اعتراض يمس في صميمه السلطة القضائية نفسها.

كما أن إدارة الميدان تقتضي تجنب أي استعراضات قد تجر البلاد إلى احتكاكات أهلية لا طائل منها.

إن هيبة الدولة لا تُقاس بنجاح دورية واحدة ولا بعدد الجنود على التقاطعات، بل بقدرتها على جعل القانون ثابتاً لا مساراً متجدداً للأزمات.

والمطلوب ليس انتصار طرف على آخر، بل معادلة واضحة وبسيطة: لا منطقة خارج سقف الدستور، ولا جهة فوق المساءلة، ولا سلطة موازية لسلطة الدولة.

أما من يملك حق تقرير متى يُنفَّذ القانون وأين؟ فالجواب الوحيد المقبول: الدولة، في كل مكان وفي كل وقت.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top