
بقلم ياسمين شعبان
في بلدٍ تتراجع فيه فرص العمل وتتآكل فيه القدرة الشرائية، لم تعد البطالة مجرّد مؤشر اقتصادي، بل تحوّلت إلى تحدٍّ يهدّد مستقبل الشباب اللبناني واستقرار العائلات. وبين تقديرات تشير إلى بلوغ معدل البطالة نحو 15.2% عام 2026، وأرقام رسمية سابقة تُظهر مستويات أعلى بكثير، تتزايد التساؤلات حول الحجم الفعلي للأزمة، خصوصاً في ظل تداعيات الحروب والانكماش الاقتصادي وتراجع قدرة الأسواق الخارجية على استيعاب اليد العاملة اللبنانية.
وفي حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، يشكّك الخبير الاقتصادي خالد أبو شقرا في دقة التقديرات المتداولة بشأن البطالة، موضحاً أنّ المعطيات التي استند إليها البنك الدولي للوصول إلى نسبة تقارب 15% ليست واضحة. ويلفت إلى أنّ آخر الأرقام المنشورة عن إدارة الإحصاء المركزي، والعائدة إلى عام 2022، أظهرت بلوغ معدل البطالة العام 29.6%، فيما وصلت النسبة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً إلى نحو 47%، وبين النساء إلى 32.7%.
ويرى أبو شقرا أنّ التطورات الاقتصادية والأمنية التي شهدها لبنان بين عامَي 2022 و2026 تجعل من الصعب افتراض تراجع البطالة إلى المستويات المقدّرة، خصوصاً مع تداعيات الحروب على القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وتضرّر النشاط الاقتصادي في الجنوب، الذي يشكّل جزءاً مهماً من الاقتصاد اللبناني. ويشير إلى أنّ الانكماش الاقتصادي الذي يقدّره بنحو 6.5% خلال عام 2026 يعزّز المخاوف من ارتفاع معدلات البطالة، معتبراً أنّ نسبتها بين الشباب قد تكون بحدود 40% على الأقل.
ولا تقتصر المشكلة، وفق أبو شقرا، على العاطلين عن العمل بصورة مباشرة، بل تمتد إلى البطالة المقنّعة والموسمية، حيث يعمل عدد كبير من اللبنانيين في وظائف غير منتظمة أو لفترات محدودة من السنة، سواء في الزراعة أو المطاعم أو الأعمال غير المنظمة. ويشرح أنّ العمل لشهر أو شهرين، مقابل أشهر طويلة من دون دخل، لا يعكس استقراراً وظيفياً حقيقياً، حتى وإن لم يظهر العامل ضمن أرقام البطالة التقليدية.
وفي ما يتعلق بالقطاعات القادرة على استيعاب اليد العاملة، يلفت إلى أهمية القطاعين الصناعي والخدماتي، ولا سيما الفنادق والمطاعم، محذّراً من أنّ الظروف الراهنة قد تكون أدّت إلى تراجع فرص الاستخدام فيهما بصورة ملحوظة.
أما الحديث عن تحسّن المؤشرات الاقتصادية، فيرفض أبو شقرا إسقاطه على عام 2026، موضحاً أنّ بعض المؤشرات شهدت تحسّناً نسبياً خلال عام 2025، بالتزامن مع تشكيل الحكومة وظهور بوادر إصلاحية وانفتاح بعض الدول العربية على لبنان. إلا أنّ المشهد تبدّل لاحقاً، مع عودة الانكماش وتفاقم العجز التجاري والضغوط على ميزان المدفوعات. ويضيف أنّ التضخم، الذي يقدّره بين 15.5% و17.5%، يزيد من تآكل مداخيل اللبنانيين، في وقت لا تسمح فيه الظروف الاقتصادية بزيادات فعلية على الرواتب تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويشير أبو شقرا إلى أنّ الهجرة، التي شكّلت لعقود منفذاً أساسياً أمام الشباب اللبناني، تواجه بدورها تحديات متزايدة. فدول الخليج، التي استقطبت تاريخياً أعداداً كبيرة من اللبنانيين، قد تشهد تراجعاً في قدرتها على توفير فرص العمل نتيجة الظروف الإقليمية، فيما أصبحت الهجرة إلى الدول الأوروبية وكندا وأستراليا أكثر تعقيداً بفعل متطلبات التأشيرات والإجراءات الإدارية. ويحذّر من أنّ تضييق فرص العمل في الداخل والخارج معاً قد يضع الشباب أمام خيارات محدودة، ويزيد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الأسر اللبنانية.
وفي المقابل، يؤكد أنّ الهجرة لطالما شكّلت أحد عوامل صمود الاقتصاد، ليس فقط عبر تخفيف الضغط عن سوق العمل المحلية، بل أيضاً من خلال تحويلات المغتربين. ويقدّر التحويلات عبر القنوات الرسمية بنحو سبعة مليارات دولار، فيما يشير إلى أنّ إجمالي الأموال المتدفقة عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية قد يتجاوز عشرين مليار دولار، وفق تقديراته.
ويعتبر أبو شقرا أنّ لبنان قد يكون مقبلاً على مرحلة اقتصادية شديدة الصعوبة خلال العام الحالي والعام المقبل، في ظل تراجع القدرة الشرائية، ومحدودية إمكانات تحسين المداخيل، وارتفاع الضرائب والأعباء المعيشية المرتبطة بتمويل نفقات الدولة والقطاع العام.
ويختم أبو شقرا حديثه بالتشديد على أنّ المرحلة المقبلة تتطلّب إصلاحات بنيوية لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تشمل أيضاً الجوانب السياسية والإدارية والأمنية، باعتبارها مدخلاً أساسياً لاستعادة الاستقرار وتنشيط السياحة وتشجيع الاستثمارات داخل لبنان. ويؤكد أنّ الأولوية يجب أن تكون لخلق فرص عمل جديدة وتحسين الناتج القومي، بما يضمن انعكاس أي تحسّن اقتصادي على مداخيل المواطنين ومستوى معيشتهم.
