
بقلم د. عامر حلواني
استمعت باهتمام وتقدير إلى كلمة فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال زيارته إلى طرابلس، ووجدت فيها خطاباً وطنياً مسؤولاً يستحق الإشادة، لما تضمّنه من اعتراف صريح بما تعرضت له المدينة من إهمال وتهميش على مدى عقود، ولتأكيده أن طرابلس ليست على هامش الوطن، بل شريكة أساسية في بنائه، وأن الإنماء حق وليس منّة، وأن الدولة ليست في مواجهة أبنائها، بل هي ضمانتهم، وهي لجميع اللبنانيين، دون تمييز بين منطقة وأخرى أو طائفة وأخرى.
وقد لامست هذه المعاني جوهر المشكلة التي عبّر عنها رئيس بلدية طرابلس، الدكتور عبد الحميد كريمة، حين وصف شعور الطرابلسيين بأنهم أيتام في وطنهم. فالأزمة تتجاوز الحرمان الاقتصادي والإنمائي إلى خلل عميق في علاقة المواطن بالدولة. إذ إن شريحة واسعة من أبناء المدينة لا تكاد تشعر بحضور الدولة إلا عندما تطالبها بالضرائب والرسوم والواجبات، بينما تفتقدها عندما تحتاج إلى الحماية والرعاية والعدالة وفرص العيش الكريم. وهكذا تحوّلت الدولة في نظر بعضهم من ملاذ وضمانة إلى خصم، وأحياناً إلى عدو، وهذه من أخطر نتائج التهميش المتراكم.
ولا شك أن مرحلة الوجود السوري ساهمت في تكريس هذا الواقع وإضعاف دور طرابلس السياسي والاقتصادي، لكن المؤسف أن التهميش استمر بأشكال مختلفة بعد خروج القوات السورية، وفي ظل عهود وحكومات متعاقبة، حتى بدا وكأن المدينة قد سقطت من حسابات الدولة وأولوياتها.
غير أن ما سمعناه من رئيس الجمهورية يفتح نافذة أمل ينبغي ألا نضيّعها. فالرئيس جوزاف عون يبدو حريصاً على أن تحظى طرابلس بما تحظى به سائر المناطق اللبنانية من اهتمام ورعاية. كما أن وجود دولة الرئيس نواف سلام على رأس حكومة استعادة السيادة، بما يمثّله من توجه وطني وإصلاحي، يشكّل فرصة جدية للانتقال من الاعتراف بالمشكلة إلى معالجتها.
والمطلوب اليوم هو اغتنام هذه الفرصة لوضع خارطة طريق واقعية وعملية تُخرج طرابلس من حالة الإهمال والنسيان، وتعيد إليها دورها الاقتصادي والاجتماعي والوطني.
خارطة تبدأ بتفعيل مرافق المدينة الحيوية، وفي مقدمها معرض رشيد كرامي الدولي والمرفأ والمنطقة الاقتصادية، وتأهيل بنيتها التحتية، وتحسين خدماتها العامة، واستقطاب الاستثمارات وخلق فرص العمل، ضمن رؤية إنمائية واضحة تستفيد من إمكانات المدينة وموقعها وطاقاتها البشرية.
لكن أي مشروع للنهوض بطرابلس يبقى ناقصاً ما لم يجعل التربية والتعليم في صلب أولوياته.
وهنا يبرز الدور المرتقب لابنة طرابلس، وزيرة التربية والتعليم العالي، التي ننتظر منها اهتماماً خاصاً بمعالجة الواقع التربوي المتردّي في المدينة. فالمدارس الرسمية تعاني في معظمها من ضعف الإمكانات والتجهيزات، ونقص المباني الملائمة والمعلمين المتخصصين والمدرّبين، فيما يبقى التسرب المدرسي، ولا سيما بين الذكور، ظاهرة مقلقة تهدد مستقبل أجيال كاملة، وتساهم في إعادة إنتاج الفقر والتهميش.
ولا يمكن الاستمرار في معالجة النقص في الكوادر التعليمية بالاعتماد المفرط على الأساتذة المتعاقدين من دون توفير التأهيل الكافي والتدريب المستمر والاستقرار الوظيفي. فالمشكلة ليست في هؤلاء الأساتذة بقدر ما هي في غياب سياسة تربوية تضمن جودة التعليم وحقوق المعلمين معاً.
أما التعليم المهني والتقني، فمشكلته لا تقل خطورة، إذ بات في كثير من مؤسساته يشبه كل شيء إلا التعليم المهني الحقيقي القائم على اكتساب المهنة والتخصص وإتقان المهارات. فلا قيمة لشهادات لا تقابلها كفايات عملية، ولا جدوى من تخصصات لا ترتبط بحاجات سوق العمل، أو تفتقر إلى التجهيزات والورش والمدرّبين المؤهلين. والمطلوب إعادة بناء هذا القطاع على أسس حديثة، وربطه بالمؤسسات الإنتاجية وحاجات الاقتصاد المحلي، بحيث يكتسب الشباب مهناً حقيقية تفتح أمامهم أبواب العمل، بدلاً من الاكتفاء بشهادات لا تنقذهم من البطالة.
إن طرابلس بحاجة إلى احتضان تربوي خاص، لأن إنقاذ التعليم العام والمهني فيها ليس مجرد مطلب قطاعي، بل شرط أساسي لأي نهوض اقتصادي واجتماعي مستدام.
ولكي لا تتحول هذه التطلعات إلى وعود جديدة، فإن خارطة الطريق المنشودة يجب أن تحدد الأولويات والمشاريع القابلة للتنفيذ، ومصادر تمويلها، والجهات المسؤولة عنها، والمهل الزمنية لإنجازها، مع آلية جدية للمتابعة والمساءلة.
ومن هنا، أتوجه إلى فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس الوزراء بدعوة إلى تبنّي هذه المبادرة، وإطلاق ورشة عمل مشتركة تضم الوزارات المعنية والبلدية وممثلي المدينة وفعالياتها الاقتصادية والتربوية والاجتماعية، إلى جانب أصحاب الخبرة والكفاءة فيها، بعيداً عن المحاصصات والتجاذبات السياسية.
وتكون مهمة هذه الورشة إعداد مجموعة من المشاريع الإنمائية والإنتاجية المدروسة، ذات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية، والقابلة للتنفيذ، تمهيداً لعرضها على المستثمرين والمموّلين من أبناء طرابلس ولبنان، وعلى الدول الشقيقة والصديقة والمؤسسات المانحة، لحشد الدعم اللازم لتنفيذها. فطرابلس، بتاريخها وموقعها وإمكاناتها، تستحق أن تستعيد دورها الحضاري والاقتصادي، وأن تكون شريكة فاعلة في نهضة لبنان.
ولا تطلب طرابلس بذلك امتيازاً على حساب سائر المناطق اللبنانية، بل حقها الطبيعي في دولة عادلة تؤمن بالإنماء المتوازن، وتساوي بين جميع أبنائها في الحقوق والواجبات. فالأم الحنون لا تميّز بين أبنائها في المحبة، لكنها تولي ابنها المريض عناية خاصة حتى يتعافى. وهكذا ينبغي أن تكون الدولة مع مناطقها وأبنائها، تمنح الأكثر حرماناً ما يحتاجون إليه للنهوض، لا تفضيلاً لهم على سواهم، بل تحقيقاً للعدالة التي لا تكتمل إلا بإنصاف من طال حرمانهم.
إن طرابلس ليست مدينة عاجزة تنتظر الصدقات، بل مدينة تمتلك من المقومات والطاقات ما يؤهلها للنهوض، إذا توافرت الإرادة السياسية والرؤية السليمة والإدارة الكفوءة.
ولعل الفرصة التي يتيحها وجود الرئيس جوزاف عون في رئاسة الجمهورية والرئيس نواف سلام على رأس الحكومة تشكّل بداية لتحوّل طال انتظاره.
فالتحدي الحقيقي ليس أن يشعر الطرابلسيون بأن رئيس الجمهورية يهتم بمدينتهم، بل أن يستعيدوا ثقتهم بأن الدولة اللبنانية هي دولتهم، وأنهم مواطنون كاملو الحقوق فيها.
وما نرجوه من هذا العهد هو أن تنتقل طرابلس من موقع المدينة التي تشكو ظلم الدولة إلى موقع المدينة التي تشعر بعدلها، فلا يعود أبناؤها أيتاماً في وطنهم، بل شركاء في دولته ومستقبله.
