
بقلم ياسمين شعبان
بعد نحو سبع سنوات على اندلاع الأزمة المالية، أعادت الاجتماعات التشاورية التي عقدها مصرف لبنان مع ممثلين عن المصارف في باريس، يومَي 27 و28 تشرين الأول، ملف استرداد الودائع وإعادة هيكلة القطاع المصرفي إلى الواجهة، وسط تساؤلات حول قدرة هذه المشاورات على إنتاج حلول فعلية، تتجاوز الوعود إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، اعتبر المحلّل الاقتصادي محمد فحيلي، في حديث خاص لموقع “ديمقراطيا نيوز”، أن أهمية الاجتماعات لا تكمن في توقيتها أو مكان انعقادها، بل في النتائج التي يمكن أن تنعكس على قدرة المودعين على استعادة أموالهم والمصارف على استئناف دورها الاقتصادي.
وأوضح فحيلي أن الاجتماعات، رغم أهميتها التشاورية، لا تستطيع وحدها تحديد حجم الخسائر أو تقييم الوضع المالي لكل مصرف بصورة موضوعية وشفافة، مشدداً على أن هذه العملية تتطلب تدقيقاً جنائياً تجريه جهة موثوقة. وفي المقابل، رأى أن الجمع بين إعادة رسملة المصارف وتقييم السيولة يشكّل مؤشراً إيجابياً إلى إدراك الترابط بين معالجة الاختلالات المالية واستعادة النشاط المصرفي، إذ إن معالجة الخسائر محاسبياً لا تكفي لإعادة الودائع، كما أن تأمين دفعات للمودعين لا يضمن وحده قيام قطاع مصرفي قادر على الإقراض وتمويل الاقتصاد.
وفي ما يتعلق بتوزيع الخسائر، شدّد فحيلي على ضرورة الفصل بين التزامات الدولة تجاه مصرف لبنان والمصارف التجارية، والتزامات مصرف لبنان تجاه المصارف، وصولاً إلى التزامات الأخيرة تجاه المودعين، بما يتيح تحديد الفجوة المالية الفعلية وتجنّب احتساب الخسائر مرتين. وأشار إلى أن السيولة التي يؤمّنها مصرف لبنان لتسديد السحوبات بموجب التعاميم المصرفية يجب أخذها في الاعتبار عند احتساب الالتزامات بين المصارف والمصرف المركزي، مؤكداً أن أي خطة جدية تستوجب بيانات مالية مدقّقة وواضحة.
أما بشأن استرداد الودائع، فاعتبر أن وضع جداول زمنية للتسديد من دون تحديد مصادر تمويل موثوقة ومضمونة لكل دفعة لا يشكّل حلاً فعلياً. وأوضح أن الحديث عن تقسيط وديعة بقيمة مئة ألف دولار على أربع سنوات، على سبيل المثال، يستوجب تحديد قيمة كل دفعة ومصدر تمويلها وضمانات تسديدها.
وفي مسألة غياب المودعين عن الاجتماعات، رأى فحيلي أن اختلاف أحجام الودائع وأوضاع أصحابها يجعل إيجاد جهة تمثيلية موحّدة أمراً بالغ الصعوبة، معتبراً أن الأولوية ليست للحضور في المشاورات، بل لضمان الحقوق القانونية والاقتصادية للمودعين. ولفت إلى أن المصارف لا تنكر بالضرورة القيمة الاسمية للودائع المسجّلة لديها، لكن الإشكالية تكمن في قدرة أصحابها على استرداد قيمتها الفعلية وبالعملة التي أُودعت بها.
كذلك، شدّد على ضرورة احترام تراتبية تحمّل الخسائر، بدءاً بالمساهمين وأصحاب المطالبات الأدنى مرتبة قبل المودعين، مع حماية صغار المودعين من أعباء إضافية، لافتاً إلى أن مساهمة الدولة يجب أن تبقى ضمن قدراتها المالية، من دون المساس باستمرارية الخدمات الأساسية.
وخلص فحيلي إلى أن الاختبار الحقيقي لاجتماعات باريس يتمثّل في قدرتها على الانتقال من مناقشة الوعود إلى اختبار إمكان تنفيذها، مؤكداً أن أي مسار لاسترداد الودائع يبقى ناقصاً ما لم يستند إلى تدقيق جنائي يحدّد الفجوة المالية، وتوزيع واضح للمسؤوليات، ومصادر تمويل تضمن التسديد الفعلي للمودعين.
