
بقلم الياس عيسى الياس
كشف استطلاع أعدّه «المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق» وشمل 1065 مشاركًا من اللبنانيين الشيعة أن نحو 80% منهم يتوقعون وضعًا معيشيًا أسوأ من العام الماضي.
وفي الوقت نفسه رأى 84% أن دور سلاح المقاومة هو الحماية والردع ما دام التهديد قائمًا، فيما أيّد 4% فقط حصر السلاح بيد الدولة.
لا يجوز أن تُقرأ هذه الأرقام بوصفها حكمًا على طائفة بأكملها. فالمواقف السياسية لا تنشأ في فراغ، وخلفها تاريخ من الاحتلال والخوف وانعدام الثقة بدولة لم تحمِ أهلها.
كما أن نتائج الاستطلاعات تتفاوت بحسب الجهة المنفِّذة ومنهجيتها والبيئة التي تستطلعها.
والمقصود بالحماقة في هذا المقال ما قصده بونهوفر: مصطلح تحليلي لا شتيمة، ولا علاقة لها بالذكاء أو بالمستوى التعليمي.
لكن الأرقام تفتح سؤالًا أبعد منها: كيف تتحول الجماعات إلى كيانات تعجز عن مراجعة أخطائها، وتعدّ كل سؤال خيانة، وكل هزيمة انتصارًا مؤجلًا؟
في السياسة لا يأتي العمى الجماعي دائمًا في صورة جهل مطبق. قد يرتدي ثوب المبادئ، ويرفع الشعارات الكبرى، ويستعير من التاريخ والدين ما يمنحه شرعية لا يملكها.
وقد وصف اللاهوتي الألماني ديتريش بونهوفر هذه الحالة في ظل النازية، في «رسائل وأوراق من السجن».
لم يرَ في الحماقة نقصًا في المعرفة، بل ظاهرة أخلاقية واجتماعية تنشأ حين يتنازل الإنسان عن استقلال حكمه، ويذوب في الجماعة، ويستسلم لسلطة الأيديولوجيا والخوف والانتماء.
وقد يكون المرء بارعًا في مهنته ويفقد بصيرته حين يتعلق الأمر بجماعته.
عندها لا يسأل المرء: هل ما نقوله صحيح؟ بل: هل يخدم ما نقوله جماعتنا؟ ويصير الدفاع عن الخطأ واجبًا أخلاقيًا.
ولا تعمل الأيديولوجيا بالشعارات وحدها. ففي فيلم «إنهم يعيشون» (They Live) للمخرج جون كاربنتر، الصادر عام 1988، والذي حلّله سلافوي جيجك، يعثر البطل على نظارة تكشف الرسائل المخفية خلف الإعلانات.
لكن المشهد الأبلغ ليس اكتشاف الحقيقة، بل رفض صديقه ارتداء النظارة. فالمشكلة لم تعد في العجز عن الرؤية، بل في عدم الرغبة فيها.
ومن هنا يتبين أن العمى نوعان: عجز عن الرؤية، ورفض لها. الأول ما وصفه بونهوفر، والثاني ما التقطه جيجك.
يعرف الإنسان أن الشعارات لا تطابق الواقع، ومع ذلك يستمر كأنه لا يعرف. وهذا ما يحدث في السياسة حين يصبح الاعتراف بالخطأ أصعب من الاستمرار فيه، ويغدو نقد الزعيم كأنه طعن في الذات.
وفي أرقام الاستطلاع ما يشبه هذه الفجوة: 80% يتوقعون الأسوأ، و84% يتمسكون بالسلاح. وليس في ذلك اتهام لأحد، بل سؤال عن المسافة بين ما نراه وما نستنتجه.
وتتغذى الأيديولوجيا أيضًا على الخوف والإذلال والرغبة في الانتقام. وهنا يأتي فيلم «ميونيخ» لستيفن سبيلبرغ (2005) ليكشف مأزق العنف الذي يبدأ باسم استعادة الحق، ثم يتحول إلى دائرة لا تنتهي، يروي كل طرف فيها قصته بوصفها دفاعًا عن النفس.
وفي الفيلم نفسه يبدأ بطله أفنر بالشك، ويسأل ما لا يسأله رفاقه.
لا يعني ذلك أن المظلوم لا يملك حق الدفاع عن نفسه، بل يعني أن عدالة القضية لا تعفينا من التفكير في الوسيلة. فالغاية النبيلة لا تمنح الوسائل حصانة.
وعند المؤرخ اليوناني ثوكيديدس، في حوار ميلوس الشهير، يقول الأثينيون إن الأقوياء يفعلون ما تسمح به قوتهم، والضعفاء يتحملون ما يفرضه عليهم ضعفهم.
لكن كتابه يكشف أيضًا أن القوة قد تعمى عن حدودها. وليس مصادفة أن ثوكيديدس وضع حوار ميلوس قبل حملة صقلية مباشرة.
فقد أطلقت أثينا تلك الحملة في أوج ثقتها بنفسها، فخلطت بين امتلاك القوة والقدرة على التحكم بنتائجها. وانتهت الحملة بكارثة كانت بداية انحدارها.
والقدرة على بدء الحرب لا تعني القدرة على تحديد نهايتها.
في لبنان لا يبقى هذا السؤال نظريًا. فالمشكلة ليست في امتلاك السلاح وحده، بل في العلاقة بين السلاح والقرار والمحاسبة.
إذا كان قرار المواجهة خارج مؤسسات الدولة، فمن يحاسب صاحب القرار؟ وإذا اندلعت الحرب، فمن يتحمل نتائجها؟
هل هو من اتخذ القرار وحده، أم المواطن الذي لم يُستشر، والقرية التي تُدمَّر، والطفل الذي يفقد بيته، والاقتصاد الذي ينهار؟
وقد أعاد إطلاق الصواريخ في آذار 2026 هذا السؤال إلى الواجهة، إذ رفضت الحكومة هذه الخطوة وأكدت أن قرار الحرب والسلم من صلاحيات الدولة.
وتشير تقارير صحفية إلى استعدادات لاحتمال استئناف المواجهات، من دون أن يصدر عن أي جهة قرار معلن بذلك. فالاستعداد شيء، واتخاذ قرار الدخول في الحرب شيء آخر.
قد يختلف اللبنانيون في تقييم المقاومة وتاريخها ودورها في مواجهة الاحتلال، لكن ذلك لا يمنع سؤال المحاسبة. فحتى أنبل التضحيات لا تمنح أحدًا حق تعريض الآخرين لمخاطر لا يملكون قرار قبولها أو رفضها.
ولا تنحصر هذه الآلية في فريق واحد. ففي انفجار المرفأ رأينا إنكارًا وتعطيلًا للمحاسبة، وفي ملف الكهرباء وعودًا تتكرر حتى تتحول إلى طقس سياسي.
وفي كل المعسكرات يصبح نقد الحليف أصعب من نقد الخصم، وتُقاس المواقف بمدى الانتماء لا بمدى النجاح.
لكن الإنكار داخل مؤسسات الدولة يختلف عن قرار حرب يُتخذ خارجها. والمقارنة هنا للدلالة على الآلية، لا على تساوي الحجم.
من هنا تتبلور ثلاثة أوهام تحكم المجتمعات التي تفقد قدرتها على مراجعة نفسها.
الأول: وهم الشعار، أي أن تكرار الكلمات الكبيرة يجعل الواقع مطابقًا لها. فالسيادة لا تتحقق بترديد كلمتها، والمقاومة لا تُقاس باسمها، والدولة لا تقوى بإعلان الولاء لها.
المعيار هو النتيجة، والقدرة على حماية الإنسان الذي وُجدت الشعارات لخدمته.
الثاني: وهم الحصانة الأخلاقية، أي أن نبل القضية يجعل قراراتنا صحيحة. وقد يكون الإنسان مظلومًا ويخطئ في طريقة الدفاع عن مظلوميته.
والاعتراف بذلك لا ينتقص من عدالتها، بل يحميها من أن تصير ذريعة لأخطاء جديدة.
والثالث: وهم القوة، أي أن امتلاك أدوات الردع يمنح سيطرة على ما سيحدث بعدها. لكن الحرب شبكة من التفاعلات وردود الفعل تفلت من حسابات من بدأها.
ولا يعني ذلك مطالبة الناس بالتخلي عن الحماية، بل بأن تكون الحماية مسؤولية دولة تستحق الثقة: جيش قادر، وضمانات حقيقية، وقرار تُسأل عنه مؤسساتها.
لا نحتاج إلى أن نكره أحدًا كي نفكر، ولا إلى أن نتخلى عن قضايانا كي نراجع وسائلنا.
نحتاج إلى استعادة حق السؤال. من قرر؟ من وافق؟ من عارض؟ من يتحمل المسؤولية؟ من يدفع الثمن؟
وهل يملك المواطن حق الاعتراض على قرار قد يغيّر مصير حياته، أم أن دوره التصفيق قبل الحرب والحزن بعدها؟
ربما تبدأ نهاية الحماقة السياسية حين نكفّ عن سؤال: هل انتصر فريقنا؟ ونسأل بدلًا منه: هل صار الناس أكثر أمنًا؟ هل صارت الدولة أكثر قدرة؟ هل اقتربنا من الهدف الذي رفعنا من أجله الشعارات؟
فليس كل انتصار عسكري انتصارًا سياسيًا، وليس كل من يرفع راية العدالة يمارسها.
إن العقل النقدي ليس خيانة للقضية، بل هو أفضل وسيلة لحمايتها من أصحابها حين يخطئون.
فحين يصبح السؤال ممنوعًا، يصبح الخطأ مقدسًا. وحين يصبح الخطأ مقدسًا، تتحول الحماقة من وهم مريح إلى قوة سياسية قادرة على قيادة مجتمع بأسره نحو الكارثة.
