
بقلم خالد صالح
السيّد أحمد الشرع المحترم :
يُقال أن والدًا ثريًا بلغَ من العمرِ عتيّا ويملكُ من الحكمة الشيء الكثير، أرادَ أن يمتحنَ أولادَه قبل الموت، فجمعَهم وطلبَ إليهم أن يأتوه بـ “أرخص وأنذل” رجلٍ وأحقرهم على الإطلاق، وسيكونُ العثور على هذا الرجل “النذل” المفتاح الذي سيفتحُ لهم أبواب وراثته ..
خرجَ الأبناء يجوبون الأسواق والحارات عسى ولعلّ أن يهتدوا إلى مطلبِ والدهم، ولدى وصولِهم إلى إحدى الساحات شاهدوا تجمهرًا كبيرًا من الناس، وعند اقترابهم رأوا شخصين يجلسان على كرسيين في المنتصف، الأول يُضرب بالأحذية من كلّ حدبٍ وصوب، والثاني يُرشّ عليه الورد والأرز، وتبقى هذه الطقوس لمدة شهر كامل، فدهشوا مما رأوه واستغربوه، وسألوا عن هوية الرجلين ..
أتتهم الإجابة الصادمة، الذي يُضرب بالأحذية هو “الحاكم” السابق لمنطقتنا أما الثاني فهو “الحاكم” الجديد، وهذه عاداتنا بأن نودّع الراحل ونستقبل القادم بهذه الطريقة، فأدركوا حينها أن “أرخص” الرجال هو الذي اعتاد على الاهانات، أما “أنذل وأحقر” الرجل هو الذي يعرف أن نهاية قبوله لموقع “الحاكم” هو الضرب بالأحذية ورغم ذلك قبله لأن إغراءات “الكرسي” من الصعب جدًا الوقوف بوجهها .
بين النجاح والفشل
أما وقد كُتبَ لكم النصرَ المبين على نظامٍ ديكتاتوري، سفّاح وهمجي، وكسرتم بإرادتِكم الحرّة القيود التي فرضها على الشعبِ السوري لأكثر من نصفِ قرن، وأنتم الآن في طورِ تشكيل قيادتكم والتحضير بجدية وعزم لدخول “سوريا” مرحلة مختلفة تمامًا عن سابقتها، لا بل عن كل المراحل التي عاشتها منذ استقلالها وحتى اليوم .
كثرٌ هم أولئك الذين يُراهنون على “فشل” محاولتكم، ويعتبرون أن سوريا ذاهبة نحو “الفوضى” أو “التقسيم” أو المزيد من الدماء المسفوكة على مذابح حرّيتها وديموقراطيتها، وكثرٌ هم الذين سيقفون حجرَ عثرة في طريقكم لمنعكم من إظهار صورة مشرقة عن سوريا الجديدة، خصوصًا أولئك الذين حملوا شعار “المعارضة” فأهلكتهم المصالح والمطامع والبحث عن المناصب والمواقع، فأرهقوا “الثورة” لعقد كامل وكبّدوا سوريا مئات الآلاف من الضحايا والملايين من اللاجئين في مشارق الأرض ومغاربها .
أنتم الآن على عتبةِ كتابةِ “صفحة مجيدة” من كتابِ التاريخ، فتذكروا جيّدًا النهاية التي آل إليها “حكم الأسد”، وضعوا في عقلكم مصلحة سوريا، دولة وشعبًا ودورًا، لتستعيد ريادتها وموقعها العربي المأمول منها، خصوصًا لجيرانها الذين يستبشرون خيرًا بعد زوال حكم الطاغية، ولا تنسوا أبدًا أن عيون الجميع لاسيما الانتهازيون منهم “داخليًا وعربيًا ودوليًا” مسلّطة عليكم ينتظرون سقوطكم وتهاوي حلمكم بسوريا الحديثة، وتذكّروا وأنتم في بداية هذا العهد الجديد، أن تحفظوا النهاية فلا تكون أبدًا كنهاية الأسد وحاشيته وزبانيته ..
وحدتكم قوتكم
ما تحقق على مدار أسبوعين كثيرٌ من كثير قياسًا على ما تواجهونه من تحدّيات، وما ينتظركم أعظم وأقسى وأصعب، كلّ السوريين والعرب ينتظرون مؤتمركم الوطني القريب، فاجعلوا هذا اللقاء درسًا في طريقة بناءِ الأوطان، واشبكوا أيديكم ببعضها البعض، وارسموا مستقبل سوريا معًا، فأنتم اليوم مسؤولون عن رعيتكم، أعيدوا وصل ما عَمِلَ النظام البائد على تقطيعه، وافتحوا صدورَكم لكلّ نصيحة تجدون فيها مصلحة سوريا العليا، من دستور وقانون وشكل النظام ومشاركة، وحافظوا عليها موحّدة قادرة وقوية، وشمروا عن سواعدكم لإعادة بنائها كما تحلمون .
إن المصطادين في الماء العكر يتربّصون بكم، فهم يعلمون أن نجاحكم في إعادة اللحمة إلى الشعب السوري بكل أطيافه، واستعادة أهاليكم المنتشرين قسرًا في أصقاع الأرض، سيقضّ مضاجعهم ويحطم أوهامهم في استعادة الزمن الغابر، لأنه سيؤسس عملية البناء الحقيقية، بناء الدولة بشرًا وحجرًا وكيانًا، وهذا مالا يريدونه لكم، سيفتحون سجلّات ماضيكم ويكيلون لكم ما في قرارة أنفسهم من أوصاف، متناسين أن الحقائق هي ما يرونه لا ما يعرفونه .
العالم كله مندهشٌ من خطابكم المعتدل المعتمد على حرية الشعب في بناء الدولة المدنية، الدولة التي تكون سندًا لأبنائها وعونًا لجيرانها ومتمسكة بالتعامل البناء داخليًا وخارجيًا، سوريا أمانة في أعناقكم فحافظوا عليها، لأن العالم كلّه بدأ بالانفتاح عليكم وعلى تصوّركم المتوازن لشكلها الجديد، سوريا العربية وليست سوريا “المطوّبة” باسم الأسد، سوريا التي استعادت هويتها، وآل الأسد أيضًا استعادوا هويتهم الحقيقية .
حكمة أخيرة
في إحدى الولايات والتي ينصّ قانونها أنه عند نهاية فترة الحاكم والمقررة بـ “سنتين”، يُساق في موكب مهيب ليُترك في الصحراء فريسة للوحوش الضارية، حتى أصبح الناس يخافون اعتلاء المنصب، لأنهم يعلمون النهاية، ولم يعد بوسعهم تعيين حاكم جديد، إلى أن انبرى “شاب” لتحمل المسؤولية رغم معرفته بالمصير الذي ينتظره وسيؤول إليه.
عندما تسلّم الشاب مقاليد الحكم، جمع نخبة المهندسين والمعماريين والبناءين، وأمرهم بالذهاب إلى الصحراء وبناء القصور والحدائق والمراكز الخدماتية وهددهم بأن أي تقصير سيجعلهم يدفعون الثمن، ومعهم فقط مدة سنتين لانجاز العمل على أكمل وجه، وتمّ الأمر بالفعل، وعندما بلغ الشاب نهاية ولايته، اجتمع الناس لمواكبته نحو الصحراء مصيره المحتوم، وهناك كانت المفاجأة !! فقد شاهدوا مدينة أخرى عامرة وحادئق بهيجة وغناء، فأدركوا أن “الشاب الحاكم” قد بناها لأنها نهايته فأحسنوا ما فعل، وكرسوه حاكمًا لها ..
السيد أحمد الشرع ..
أعد بناءَ سوريا لأهلها ولشعبها التوّاق للحرية وللحياة الكريمة، وضع أمامك دائمًا عبارة “لو دامت لغيرك ما اتصلت إليك” .. وأحسن خاتمتك كي تكون ذكراك عطرة وعظيمة .. لا أن تكون نهايتك كـ “نهاية نظام الأسد” الذي سيُضرب بالأحذية أبد الدهر ..
اللهم إني قد بلّغت .. اللهم فاشهد !! ..
