المشهد الإنتخابي في عكار: صراعات حادة في القرى السنية وتكريس الهيمنة في القرى المسيحية!!

بقلم ندى جوني- ديموقراطيا نيوز

شهدت محافظة عكار في شمال لبنان انتخابات بلدية واختيارية اتسمت بسخونة استثنائية عكست حالة التوتر السياسي والإجتماعي المتجذرة في هذه المنطقة الحدودية. فقد تحولت العديد من البلدات، لا سيما في جرد القيطع وساحله، إلى ساحات صراع سياسي حاد بين القوى التقليدية والوجوه الجديدة، وسط محاولات متكررة لفرض السيطرة وإثبات الحضور الشعبي.

ضمن الإطار المذكور، تميز هذا الاستحقاق الانتخابي، الذي شهد نسب إقبال متناقضة ومتفاوتة، مقابل فوضى عارمة في بعض القرى، بتداخل الأبعاد العائلية والسياسية، وبروز تحالفات غير تقليدية بين التيارات والأحزاب السياسية والمكونات العائلية المحلية. وفي حين سجلت بعض البلدات توافقات سياسية وعائلية حافظت على هدوء العملية الإنتخابية، انفجرت مواجهات عنيفة في بلدات أخرى، رافقتها أعمال عنف واقتحامات لمراكز الاقتراع واتهامات متبادلة بين اللوائح المتنافسة.

عكست النتائج، إعادة رسم للمشهد السياسي في العديد من البلدات، حيث تمكنت قوى كالجماعة الإسلامية والتيار الوطني الحر من تحقيق مكاسب بارزة في مناطق نفوذها، فيما سجلت قوى أخرى تراجعاً أو مواجهات عنيفة في مناطق اعتادت السيطرة عليها.

المشهد في المناطق السنيةمعارك شرسة وهيمنة البعريني في ظل غياب تيار المستقبل

طغى التوتر الأمني والسياسي على الانتخابات البلدية في العديد من القرى السنية في عكار، حيث برز غياب تيار المستقبل عن المشهد بشكل شبه كامل، ما فتح المجال أمام قوى محلية للتمدد وتثبيت نفوذها، لا سيما النائب وليد البعريني، الذي استطاع ترسيخ موقعه.

في بلدة فنيدق، نجح البعريني عبر لائحة “فنيدق أولاً” في حسم المواجهة لصالحه ضد لائحة “فنيدق تستحق” المدعومة من عبد الإله زكريا ومحمد عجاج والنائب السابق خالد زهرمان. وقد اتسمت المعركة بتوترات غير مسبوقة، تجاوزت حدود المنافسة السياسية التقليدية، لتصل إلى حد استخدام السكاكين واقتحام مراكز اقتراع، وسط تصريحات تصعيدية من البعريني، اعتبر فيها أن نتائج هذه المعركة ترسم ملامح الإنتخابات النيابية المقبلة.

أما ببنين، وعلى الرغم من حدّة المعركة بين تحالف الجماعة الإسلامية وخالد المصري من جهة، وتحالف الكسار وجوهر وآل الرفاعي من جهة أخرى، فقد انتهت بفوز تحالف الكسار وجوهر وآل الرفاعي، ما شكّل انتكاسة للجماعة الإسلامية وحلفائها، مؤكداً أن الساحة السنية العكارية باتت مفتوحة على إعادة رسم تحالفات جديدة بعيداً عن الاصطفافات التقليدية.

كما انسحب مشهد العنف والإحتقان على بلدات برقايل، مارتوما، وقبعيت، حيث شهدت ساحات الإقتراع مواجهات مع القوى الأمنية أدت إلى تعليق العملية الانتخابية لبعض الوقت قبل استئنافها وسط إجراءات مشددة.

وفي مشمش، نجحت لائحة “التوافق والإنقاذ” المدعومة من المغتربين في منع النائب البعريني من إعادة رئيس البلدية السابق محمد بري إلى سدة الرئاسة، ما أظهر حدود نفوذ البعريني في بعض المناطق رغم نجاحه الكبير في فنيدق.

أما حلبا، فكانت ساحة لمواجهة عائلية بامتياز بين عبدو الحلبي وسعيد الحلبي، انتهت بفوز عبدو الحلبي بفارق مريح.

في مارتوما، وضعت عشيرة آل حمد حداً لهيمنة أحمد المير بعد 27 عاماً من رئاسته للبلدية، لتحقق فوزاً مدوياً بقيادة مرشحها عمر المير.

وفي البيرة، تمكنت لائحة المراعبة من قلب المعادلة لصالحها، متجاوزة تحالف الفلاحين التقليدي.

وفي الكويخات، استطاع عمر الحايك تجديد ولايته، متغلباً على منافسه المدعوم من البعريني.

أما في عكار العتيقة، شهدت المعركة الانتخابية منافسة شرسة بين لائحة “التغيير” بقيادة محمد الشعار وخالد بحري، ما استدعى تمديد الاقتراع لساعات إضافية نظراً للإقبال الكثيف، لتنتهي بفوز “التغيير” في مؤشر واضح على رغبة جزء من الناخبين في كسر المعادلات التقليدية.

المشهد في البلدات المسيحيةالقوى التقليدية تعزز حضورها وتحافظ على نفوذها

في المناطق المسيحية، بدا التيار الوطني الحر مصمماً على تثبيت حضوره رغم محاولات قوى سياسية منافسة تقليص نفوذه. فقد جاءت النتائج في بلدات رحبة، بينو، تلعباس الغربي، ومنجز، لتكرّس موقع التيار بعد سلسلة من التحالفات مع شخصيات عائلية ومحلية، ما سمح له بالسيطرة على المجالس البلدية أو تسجيل حضور وازن.

ولعلّ أبرز المعارك جرت في بلدة عندقت، حيث تفكك التيار بين لائحتين متنافستين، وانتهى الأمر بفوز لائحة” كرمال عندقت”  على لائحة ” عندقت هوية” ، رغم محاولاتها الإيحاء بدعم التيار الوطني الحر.

في تلعباس الغربي، تمكن التيار من اكتساح المجلس البلدي، فيما شهدت بينو معركة محتدمة انتهت بفوز لائحة مدعومة من التيار والحزب القومي، رغم خرق القوات اللبنانية بثلاثة أعضاء.

وفي بلدات محسوبة تقليدياً على القوات اللبنانية، حافظت هذه الأخيرة على مواقعها كما في بيت ملات وممنع، حيث جدّدت العائلات ولاءها لمرشحي القوات، لتؤكد بذلك استمرار ثنائية القوات والتيار في البلدات المسيحية العكارية.

أما في القبيات، فرُسم مشهد وفاقي قاده التحالف الرباعي، ما منع أي فريق من احتكار الفوز السياسي.

هكذا، أتت الإنتخابات لتكرس حضور التيار الوطني الحر في غالبية البلدات المسيحية، وتعيد تثبيت القوات اللبنانية في معاقلها، بينما بقيت بعض القرى مسرحاً لتجاذبات بين الأحزاب والعائلات، من دون أن تنجح محاولات إلغاء التيار أو عزله.

عكار بعد الإنتخابات: تثبيت النفوذ أم بداية لتوازنات جديدة؟

كشفت الإنتخابات البلدية الأخيرة في عكار عن عمق الإنقسامات الإجتماعية والسياسية التي لا تزال تتحكم بمسار الحياة العامة في هذه المحافظة الحدودية، حيث بقيت الصراعات العائلية والطائفية والمذهبية اللاعب الأبرز، في ظل عجز القوى السياسية عن تقديم خطاب تغييري فعلي يتجاوز منطق الزعامات التقليدية والحسابات الضيقة.
ورغم ما أفرزته صناديق الاقتراع من تغييرات موضعية في بعض القرى، إلا أن المشهد العام أعاد تثبيت التوازنات القديمة، مع تعزيز حضور بعض القوى التقليدية في مناطق نفوذها، وظهور مؤشرات على إرهاصات تغييرية لم تتبلور بعد إلى مسار سياسي واضح المعالم.

في ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال الأهم:
هل ستبقى الإنتخابات البلدية في عكار مجرد انعكاس لصراعات النفوذ والهيمنة التقليدية، أم أنها قد تشكل مستقبلاً مدخلاً لتحولات سياسية واجتماعية أعمق، تتخطى الحواجز المناطقية والطائفية نحو بناء سلطة محلية فعلية تعبّر عن احتياجات الناس وتطلعاتهم؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top