
بقلم ندى جوني
انتهت الحرب الإسرائيلية على لبنان يوم 27 تشرين الثاني 2024، لتبدأ بعدها بيوم واحد عملية “ردع العدوان”، وهي العملية التي شكّلت تحوّلاً استراتيجياً غير متوقّع في المعادلة الإقليمية، حيث نجحت خلال أسبوع في إسقاط نظام الأسد، أحد أكثر الأنظمة استبداداً وتماسكًا في المنطقة، بعد أكثر من 53 عاماً من الحكم الأمني القائم على القمع. لكن ما يطرح اليوم: كيف استطاعت عملية عسكرية خاطفة أن تُسقط نظاماً صمد أمام مظاهرات شعبية واسعة استمرت أشهراً، وتجاوز حرباً أهلية دامية استمرت أكثر من 13 عامًا؟ الحرب التي دفع فيها الغالبية من الشعب السوري الثمن باهظاً من قتل، اعتقال، تعذيب، تهجير، وتشتّت داخلي وخارجي، في حين ظل النظام ممسكاً بالسلطة، بدعم إقليمي ودولي، إلى أن انهار فجأة بفعل ضربة عسكرية مركّزة. إن سقوط النظام لم يُنهِ الصراع حسب التوقعات، بل فتح الباب أمام مرحلة جديدة. فالحكومة الإنتقالية الحالية التي تولّت زمام الحكم بقيادة أحمد الشرع أو أبو محمد الجولاني تُعبّر عن تحوّل خطير، خاصة في ظل تصاعد الخطاب الإنتقامي والطائفي. إذ أن الطائفة السنية، التي واجهت لعقود عقدة الأقليات وتمّت شيطنتها، تجد نفسها اليوم في موقع السلطة، مدفوعة بتاريخ طويل من المجازر والإنتهاكات، أبرزها مجزرة حماة عام 1982 التي ارتكبها نظام الأسد، ما راكم شعوراً جماعياً بالحقد تحوّل لدى البعض إلى هوية سياسية أو دينية. في هذا السياق المتفجّر، برزت إسرائيل كلاعب ميداني مباشر داخل سوريا، مستفيدة من الفوضى ومستخدمة خطاب “حماية الأقليات”، خاصة طائفة الموحدين الدروز في محافظة السويداء، حيث نشهد اليوم تطهير عرقي واضح على يد الجماعات المسلحة وبعض عناصر الأمن السوري الجديد. ضمن الإطار المذكور، يطرح التدخل الإسرائيلي أسئلة كبرى حول النوايا الحقيقية وأفق المرحلة المقبلة: هل نحن أمام إعادة رسم للحدود؟ تقسيم فعلي لسوريا؟ شرعنة أمر واقع جديد؟ أما لبنان، الذي ما زال يتخبّط في أزماته الداخلية، فيبدو هشاً أكثر من أي وقت مضى. فمع وجود بيئة حاضنة للعديد من المتطرّفين، وانقسام طائفي عميق، وتداخل سكاني ومذهبي مع الداخل السوري، فإن أي تصعيد أو تحول جذري في سوريا ستكون له تداعيات مباشرة وخطيرة على لبنان، سياسياً وأمنياً واجتماعياً. فهل يستطيع لبنان النأي بنفسه هذه المرّة؟ أم سيكون جزءاً من خريطة التفكك الإقليمي القادمة وتحديداً في ظلّ الإنتهاكات الإسرائيلية المستمرة؟
السويداء على خط النار مجدداً…
تشهد محافظة السويداء واحدة من أعنف المعارك منذ اندلاع الأزمة السورية، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة بين مجموعات مسلحة من أبناء الطائفة الدرزية والعشائر البدوية وقوات الأمن السوري، وامتدت من الأرياف إلى مراكز المدن، وسط تدهور أمني غير مسبوق. وقد أسفرت المواجهات عن مقتل ما لا يقل عن 200 شخصاً خلال 4 أيام. بدأت الاشتباكات في بلدة “الصورة الكبيرة” عند المدخل الشمالي للسويداء، وامتدت داخل المدينة، في ظل اتهامات متبادلة وتحرك ميداني للقوى الأمنية السورية. ورافقت هذه المواجهات غارات إسرائيلية على مواقع لقوات الأمن السوري، أبرزها قيادة الشرطة في مدينة السويداء، وسط أنباء عن ضغوطات أميركية على إسرائيل لوقف التصعيد، الذي يدّعي بأنه يحمي الدروز في السويداء، في خطوة واضحة لتوسيع نفوذه الأمني جنوب سوريا.
ضمن الإطار المذكور، أصدرت مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز بياناً حادّ اللهجة يدين بشدّة الممارسات التي تسببت في تعكير صفو العيش الآمن الذي كان سائداً في المدينة، مشيرة إلى محاولات خطيرة لبثّ الفتن الطائفية والمذهبية، واستهداف الرموز الدينية وانتهاك حرية المعتقد، في تحدٍّ صارخ لتاريخ المنطقة وقيمها الوطنية والدينية. كما حمّل البيان الدولة السورية مسؤولية ضبط الأمن وحقن الدماء، ومحاسبة العناصر غير المنضبطة التي ارتكبت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، مطالباً بمحاسبة المتورطين في الأفعال المسيئة للشعائر الدينية ومقامات الطائفة. كما أكّد على أهمية احترام كرامة المجتمع الدرزي وهويته العربية والإسلامية، واستحضَر في هذا السياق التاريخ النضالي لقائد الثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الأطرش، باعتباره رمزاً وطنياً لم يقبل بالذل ولا بالخضوع. كذلك، أشادت المشيخة في بيانها بـ”مساعي العقلاء والقيادات الدينية”، وعلى رأسها الاجتماع الذي عقد في دارة سماحة الشيخ يوسف جربوع في السويداء، معتبرة أن هذه المبادرات ترمي إلى إعادة جسور التنسيق مع الدولة وتثبيت الاتفاقات الأخيرة بما يصون كرامة المواطنين، ويعيد الهيبة للدولة ويضمن أمن الجبل. وناشدت جميع الأطراف العمل بـ”عين الحكمة والأمل” لتجاوز الحالات الصدامية المؤلمة، وتفادي الحلول الأمنية العنيفة، مشددة على ضرورة إخماد نار الفتنة من الجهتين، لا تأجيجها.
بين الأمس واليوم: تاريخ السويداء المقاوم في وجه الإنقسام
لطالما شكّلت محافظة السويداء موقعاً حساساً في الخارطة السورية، ليس فقط بسبب خصوصيتها الطائفية والاجتماعية، بل بسبب دورها التاريخي الحاسم في مقاومة الاحتلال الفرنسي عبر ثورة 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش. ومنذ بدء الحرب السورية، بقيت السويداء إلى حدّ بعيد بمنأى عن النزاعات المسلحة الكبرى، مقارنة بمحافظات كحمص وحلب ودرعا، غير أن السلاح ظلّ منتشراً فيها بين مجموعات محلية متعددة الولاءات. خلال السنوات الماضية، لم تكن السويداء طرفاً مباشراً في الصراع بين النظام والمعارضة، بل شكّلت مساحة متقلّبة بين الحياد الحذر والتمرد المحسوب، حيث برزت فيها حركات محلية تطالب بالإصلاح، وأخرى تتهم النظام بالتقصير والتهميش. لكن التطورات الأخيرة التي اندلعت يوم الأحد 13 تموز، تمثل تحولاً خطيراً في المشهد، إذ تداخلت فيها عناصر الصراع الطائفي، والتحركات المسلحة من العشائر البدوية وقوى الأمن السوري، والتدخل الإسرائيلي المباشر، ما ينذر بتحويل الجبل من منطقة هامشية في النزاع، إلى مسرح إقليمي لحرب وكالة.
اشتباكات السويداء والتدخل الإسرائيلي: اشتعال الجبهة الجنوبية وارتداداتها على لبنان
ما يبدو أن وتيرة الأحداث الدامية تتسارع بشكل كارثيّ في محافظة السويداء السورية، لكن ما يرفع من خطورة المشهد أيضاً، هو التدخل الإسرائيلي المباشر عبر سلسلة الغارات الجوية التي استهدفت مواقع أمنية وعسكرية تابعة للنظام السوري في السويداء وريف درعا.
وقد تزامن ذلك مع ضغط أميركي على إسرائيل لوقف الغارات، خشية انفلات الأمور إقليمياً، ما يُبرز حجم التوتر داخل المحور الغربي نفسه بشأن التعامل مع سوريا. إن هذه التطورات لا تقتصر تداعياتها على الداخل السوري فقط، بل تمتد بوضوح إلى الساحة اللبنانية، التي باتت أكثر عرضة للاهتزاز:
- تصاعد خطاب التدخل اللبناني في الأزمة السورية:
إن إعلان الوزير اللبناني السابق وئام وهاب تشكيل “جيش التوحيد” كقوة درزية مقاومة مستقلة، شكّل سابقة سياسية وأمنية خطيرة، دفع بجهات لبنانية إلى التحذير من انجرار لبنان إلى صراع سوري داخلي، وتحويل أراضيه إلى منصة دعم أو تصعيد. - احتمالات التفكك الاجتماعي في الجبل اللبناني:
دخول مشايخ من دار الفتوى وطلال أرسلان ووليد جنبلاط على خط الأزمة، كلٌّ من زاويته، يعكس تصدّعاً داخل البيئة السياسية والطائفية الدرزية، ويهدد بإعادة رسم التحالفات التقليدية بين الدروز في سوريا ولبنان. وهذا قد يؤدي إلى توتّر درزي – سني أو درزي – درزي، خاصة في ظل تعدد المواقف وتناقضها. - احتمال التورط في مواجهة إقليمية أوسع:
مع استعداد إسرائيل للدفاع عن الدروز “حسب زعمها”، وتحرّك فصائل لبنانية سياسياً أو عسكرياً، تتزايد المخاوف من انفجار مواجهة إقليمية جنوب سوريا قد تمتد إلى الحدود اللبنانية، خصوصاً إذا ما شعرت إسرائيل بتهديد جديد من “الجبهة الدرزية”، أو إذا حاولت فصائل لبنانية نقل المعركة أو دعم أحد أطرافها. - السلم الأهلي في لبنان على المحك:
بيانات “تجمّع العشائر” اللبنانية التي وصفت دعوة وهاب بـ”الإعلان المسلّح الخارج عن القانون”، تعكس حجم القلق من تحويل الصراع السوري إلى صراع أهلي لبناني بالوكالة. ومع وجود سلاح غير شرعي لدى العديد من الأطراف، يصبح أي احتكاك محلي مرشحاً للتحوّل إلى نزاع واسع.
السويداء بين فخ الحماية الإسرائيلية وانفجار الجبهة اللبنانية
إن التطورات المتسارعة في السويداء لا يمكن فصلها عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث يتقاطع الداخل السوري الملتهب مع تصعيد إسرائيلي ممنهج، يكشف عن ما هو أبعد من مجرد “دفاع عن الأقليات”. فالغارات التي تنفذها إسرائيل بذريعة حماية الدروز، تأتي في سياق توسّعي واضح، مستغلّة هشاشة الوضع الأمني والسياسي في الجنوب السوري، وسكوت دولي ملفت، ودعم أميركي معلن. في المقابل، يبدو لبنان مرآة عاكسة لهذا الإنفجار المتعدد الأبعاد: مواقف متناقضة، أحزاب تتدافع على أبواب الأزمة، وقلق متصاعد من انزلاق الداخل إلى صراعات بالوكالة. ومع بروز دعوات علنية لتشكيل مقاومة لبنانية مرتبطة بالسويداء، وتحوّل بعض الخطابات إلى أدوات تحريض وتجنيد، يصبح لبنان أمام لحظة دقيقة: إما أن يحافظ على حياده الهش، أو يتحوّل إلى طرف مباشر في مواجهة لا تشبهه، ولا يملك توازناتها. وفي قلب هذا التوتر، يبرز سؤال مصيري:
هل ما نشهده في السويداء هو بداية إعادة تشكيل خارطة جنوب سوريا وفقاً لمصالح إسرائيل الإستراتيجية والتوسيعة؟..
إذاً، بين التهديد الإسرائيلي المتصاعد، والانقسام اللبناني الداخلي، والتآكل السوري المستمر، تقف السويداء اليوم منذرة بأزمة إقليمية أكبر وتقسيم واضح.
