بقلم جوزاف وهبه

هي صدفة. لكنّها صدفة يجوز اللعب على تقاطعها، خاصّة وأنّ أحد طرفيها هو بالذات أحد صنّاع السخرية في هذا الكوكب الكبير:”جورج” يعود بكامل وعيه من سجنه الطويل (41 سنة بالتمام والكمال) في باريس..و”زيّاد” (69 عاماً) يرحل بكامل إرادته عن هذا البلد (هاي مش بلد..). كلاهما خاضا معركتهما الواحدة (اليسار والحرّية والحقّ بالفوضى) بطريقة مختلفة:الأوّل (أي جورج عبدالله) حمل سلاحه وأفكاره ومضى يبارز الإمبرياليّة في عقر دارها، متأثّراً بالجبهة الشعبيّة ووديع حدّاد والجيش الأحمر وما يُسمّى “الفصائل المسلّحة الثوريّة اللبنانيّة”..والثاني (أي زيّاد الرحباني) إنّما خاض حروبه الصغيرة بالفنّ والموسيقى والسخرية السوداء على خشبة المسرح، كاشفاً عن وطن لا أمل فيه، غير قابل للتكوّن والصيرورة، كأنّه “فيلم أميركي طويل” أو “نزل السرور”، كأنّه مجرّد سؤال أبدي لا جواب له “بالنسبة لبكرا شو”!
“جورج” العائد متعباً متهالكاً من عدالة غربيّة سرقت شبابه بين أربعة جدران من الإنتظار والحلم بالطيران مثل حمامة أبي فراس الحمداني (أيا جارتاه..)، لم يجد في استقباله (طبعاً عدا الأهل والأحبّة) سوى رعيل من حملة الخناجر التي غرزوها (في غيابه الطويل) في صدور مَن يشبهونه، أكانوا ممّن رفعوا راية جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانية (حسين مروّة وجورج حاوي ومهدي عامل..والقائمة تطول)، أو كانوا من صنّاع الربيع اللبناني الذي امتزجت دماؤه بربيع سوريّا والعرب (رفيق الحريري وسمير قصير وجبران تويني ومحمد شطح ولقمان سليم..وغيرهم).هؤلاء الذين أحاطوا به عند أدراج مطار بيروت، ربّما فعلوا ذلك كي لا يرى أنّهم قد قتلوا “روح بيروت” على مدى سنوات وسنوات.”جورج العائد” كاد يسأل مستقبليه من الحزب الشيوعي والحزب القومي عن “رفاقه القدامى”، لكنّه يعرف أنّ اليد الممدودة إليه إنّما طعنت الحلم في لحظة تكبّر وجبروت.هذه اليد لا تستحقّ سلامه، ولكنّ الغلبة للأربعين سنة التي لم تُبقِ منه سوى عينين غارقتين في وجهه الشاحب.لم تُبقِ منه سوى رمزيّة النضال واليسار والتوق إلى تغيير العالم.في غيابه، سقطت كلّ شعارات السبعينات، وسقط الإتّحاد السوفييتي العظيم.وسقطت الإشتراكيّة في أحضان المهدي المنتظر وطيور الأبابيل والمرشد الأعلى، وكلّ الغيبيّات التي سُجن “جورج” (وغير جورج) في سبيل القضاء على سرديّاتها وأوهامها وظلاميّتها..عاد جورج، فلنتركه بسلام علّه ينسى ألمه.علّه يتقاعد بلا قهر ولا محاولات إستثمار، بلا حنّا غريب وأسعد حردان وربيع بنات!
“زيّاد” لم يعد من أيّ مكان.منذ كان في السابعة عشرة من عمره، ذهب ولم يعد.لا شيء أقنعه بالبقاء.خاصم الجميع، وخرج على جميع التقاليد والأطر المنمّقة.كان “شادي” الذي أضاعته فيروز الأم، وفيروز السفيرة إلى النجوم.قضى زمانه يبحث عن صديقه ورفيقه “صبحي الجيز”، وأخطأ مراراً ومراراً في رسم تفاصيل صورته:هل كان يمكن له أن يجد ملامحه في مشهديّة حسن نصرالله، أو في براميل بشّار الأسد؟ لقد خلط بين الفنّ والسياسة.حلّق في الإبداع والشعر والموسيقى، وتجرجر ما يكفي في مقارباته السياسية التي خسر في دهاليزها الكثير من روحه، من أحبّائه ومن رمزيّته الثوريّة.
كان “زيّاد” كمَن يعرف عثراته.يرى سقوطه بأمّ العين، من دون أن يتشبّث بأيّ خشبة خلاص.ترك لكبده المجهد أن يمضي به إلى حيث يشاء.ترك لكبده أن يختتم هذه العبقريّة التي أدهشتنا وألهمتنا، وتحوّلت إلى تعابير وصور تنتقل من جيل إلى جيل.كان قدّيساً، بلا عجائب ولا صلاة.كانت سخريته ساحرة، نردّدها في كلّ محطّة، في كلّ حوار، وعلى كلّ لسان.
الإثنان (جورج وزيّاد) ربّما يتشابهان في الغضب والتمرّد والعبثيّة والفوضى.ولكنّ النهايات فرّقت ما بينهما، في يوم واحد:المناضل عاد من رحلته البعيدة..والفنّان ترك كلّ شيء، وراح إلى البعيد البعيد!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top