
بعد انتهاء الحرب الأهلية، أوكلت الولايات المتحدة إلى الرئيس السوري حافظ الأسد مهمة إدارة المرحلة الانتقالية في لبنان، لضمان الاستقرار الداخلي ومنع استخدام الساحة اللبنانية لإفشال مسارات السلام في المنطقة، خصوصًا مع اقتراب مؤتمر مدريد. فبدا الأسد كصاحب الوصاية اللازمة لضبط الداخل اللبناني.
لكن بعد انسحاب الجيش السوري عام 2005، لم تسعَ واشنطن لتلزيم جديد، بل تعاملت مع التوازنات الداخلية الجديدة، مركّزة على النتيجة: استقرار الحدود والداخل، حتى وإن جاء هذا الاستقرار بيد “حزب الله”. وهذا ما حصل بين عامي 2006 و2023، إذ حافظ الحزب على الهدوء جنوبًا، رغم تصنيفه “منظمة إرهابية”، ما خفف من اندفاعة واشنطن باتجاه نزع سلاحه.
غير أن الحرب الأخيرة، التي شنتها إسرائيل على لبنان ضمن سياق دعم “حزب الله” لحماس، قلبت المعادلة، وأظهرت أن الستاتيكو الذي دام أكثر من عقدين لم يعد مقبولًا لدى تل أبيب، ولا حتى قابلًا للاستمرار. فبغضّ النظر عن التمنيات الأميركية، فإن إسرائيل باتت اللاعب الأمني والعسكري الأبرز على الأرض، مستندة إلى واقع جديد وغطاء أميركي صريح.
ترى واشنطن أن المرحلة الراهنة تشبه مرحلة ما بعد الانسحاب السوري، لا مرحلة ما بعد الطائف، ولكن بتوازنات مقلوبة: الداخل يميل أكثر نحو فكرة الدولة، و”حزب الله” بات أضعف بفعل الحرب، فيما إسرائيل سيطرت فعليًّا على الحدود من دون الحاجة لأي وسيط أو ضامن خارجي.
ومع أن واشنطن لا تسعى اليوم لتلزيم لبنان لدولة معينة كما فعلت مع دمشق سابقًا، إلا أن ما يحصل عمليًّا هو نوع من التلزيم الأمني غير المباشر لإسرائيل، خاصة إذا استمر لبنان في التردد السياسي حيال حصر السلاح بيد الدولة. فمع غياب القرار الرسمي اللبناني، تُمنح تل أبيب حرية التصرف، وقد عبّر المبعوث الأميركي توم برّاك بوضوح عن ذلك: إما أن تبادر الدولة إلى تفكيك سلاح “الحزب”، أو ستتكفّل إسرائيل بالمهمة بغطاء أميركي.
ولعلّ المأزق الحقيقي لا يكمن في خطر وصاية جديدة، بل في فوضى مفتوحة، سببها غياب قرار الدولة في إدارة السلاح، مما يترك لبنان في حالة “تلزيم للفوضى”، لا لدولة أخرى.
