من وحي “الثلاثاء العظيم”: لم يعد للحزب ما يفعله

بقلم جوزاف وهبه

يستطيع قاسم قصير أن يعدّد إلى ما لا نهاية فضائل بقاء سلاح حزب الله في لبنان كضرورة وطنيّة، دامجاً ما بين الحزب والطائفة الشيعية.كما يستطيع ابراهيم الأمين أن يكتب ما يشاء من مانشيتات بالخطّ العريض في أولى صفحات جريدة “الأخبار”، مستعملاً – كما درج قلمه ودرجت عادته – لغة الوعيد والتهديد بحقّ المعترضين والمناوئين، مثل قوله “هل يحنّ جنبلاط وجعجع إلى الخامس من أيّار؟”، في إشارة إلى ما سبق بتاريخ 5 و7 “أيّار المجيد” من العام 2007، ويستطيع “شيخ البقاع” أن ينادي بأعلى صوتهy “سلاحنا كرامتنا..ومن ينزعه ننزع روحه”.ولا ننسى الأمين العام الشيخ نعيم قاسم الذي بات يتدرّج في “استنساخ” مشهديّة الأمين العام الراحل حسن نصرالله، إن لجهة الأصبع المرفوع، وإن لجهة الإكثار من الإطلالات الخطابيّة عند كلّ مناسبة، وإن لجهة تكرار عبارات النصر الإلهي وشرف السلاح والمقاومة التي لا تُقهر والمهدي المحاط بالملائكة المقاتلين حتّى آخر شيعي في البيئة الحاضنة الموزّعة ما بين الجنوب المهدّم والضاحية القلقة وبعلبك التي تنوء تحت الضربات الإسرائيليّة شبه اليوميّة!
ولكنّ كلّ هذه الأشكال من الممانعة لم تعد تجدي نفعاً أو تحرّك فاصلة في ما قد كُتب، أو تُعيد وظيفة السلاح إلى ما كانت عليه في السنوات الماضية من حضور في السياسة والعقيدة وتوازن القوى:
“100 ألف مقاتل و100 ألف صاروخ” قد تبخّرت تحت عبقريّة الذكاء الإصطناعي والبايجرز والمسيّرات التي تلاحق كلّ درّاجة أو رابيد أو شاحنة صغيرة وكبيرة..أو قائد توهّم نفسه محصّناً تحت سابع أرض!
“وحدة الساحات” ذهبت مع سقوط بشار الأسد، ولن تعود مع الملك الحوثي أو الحشد الشعبي أو صاروخ باليستي من هنا وطوربيد بحري من هناك..
“إسناد غزّة” وظيفة بلا أرض ولا ناس:ما الذي بقي في ذلك القطاع، ماذا بقي من أولئك الأطفال والنساء والرجال الذين يموتون جوعاً، إن لم يموتوا بصاروخ طائرة، أو برصاص قنّاص لا قلب له ولا روح.مجرّد زناد ومنظار ورصاصة تختار رأس هذا الفتى أو ذاك الشيخ، بلا تمييز أو تحسّر..
لم يعد للحزب ما يقوله لمناصريه أوّلاً، وللبنانيين ثانياً وأخيراً.كلّ حججه سقطت في أرض الميدان وعلى أرض الواقع.ما بقي له سوى نوع من النوستالجيا إلى عزّ غابر، وإلى غيبيّات لا تقنع، وإلى تهديدات لم تعد تخيف الدولةy والقوى السياسيّة.لم يعد وفيق صفا قادراً على اقتحام حرمة قصر العدل كي “يقبع” قاضي التحقيق طارق بيطار في جريمة إنفجار المرفأ.ولم تعد إفتتاحيات “بوب” ترسم سياسة يوم الغد.كما لم تعد خطابات الأمين العام البديل يُحسب لها حساب في معادلات مجلس الوزراء أو المجلس النيابي.كلّ شيء تغيّر، كلّ شيء قد تبدّل.حتّى “حلفاء الدم والروح” لم يعودوا إلى ما كانوا عليه:طوني سليمانy فرنجيّة يرى أنّ حصر السلاح بيد الدولة أمر لا بدّ منه.فيصل كرامي يُشيد ليلاً نهاراً بالجيش الحامي.جمعيّة المشاريع تدعو إلى الوقوف خلف الدولة ومؤسسة الجيش..لم يعد للحزب مَن يتبنّى معه حقّ الإحتفاظ بسلاحه خارج الشرعيّة.لم يعد للحزب مَن يجد له أيّ مبرّر للتمايز أو حقّ امتلاك قرار الحرب والسلم.كلّها شعارات من الماضي، وقد حان وقت دفنها “حبّيّاً” كما يمكن أن يحدث في جلسة “الثلاثاء العظيم”..أو “عسكريّاً” على أيدي القوى الخارجيّة المتربّصة بما تبقّى من قدرات عسكرية وماليّة لدى الحزب، وذلك في معركة (أو معارك) غير متكافئة، لا تزيد الحزب وبيئته الحاضنة إلّا مزيداً من الدمار والخراب، كما تزيد كلّ لبنان هلاكاً ماليّاً ومعيشيّاً وإقتصاديّاً.حزب الله أمام خيار واحد:سلّم سلاحك..حتّى تسلم ويسلم كلّ الوطن!
“الثلاثاء العظيم” فرصة ذهبيّة للحزب كي يخرج مُعافى، مكتفياً بما خسر وبمَن خسر.فرصة كي يتحوّل إلى حزب سياسي يُصيبه ما يُصيب باقي الأحزاب من نفوذ ودور في إدارة البلد.حزب لا يهدّد، وربّما يستغني عن أمثال ابراهيم الأمين وذوي الرؤوس الحامية.في الحرب، كما في السياسة، هناك خاسرون ورابحون.على الحزب أن يقتنع أنّه قد خسر حربه في السلاح، وما عليه إلّا أن يستعيد رونقه وطبيعته بالسياسة والديمقراطية واللعبة الداخليّة.
بعد “الثلاثاء العظيم” لن يكون كما قبله (مهما هوّلوا بالشارع وشلّ البلد..)، فهل يلتحق الشيخ قاسم وقومه بباقي اللبنانيين..أو يخوضون غمار الموت على طريقة شمشون “عليّ..وعلى أهل وطني، يا ربّ”، فيما الأعداء يهلّلون منتهزين الفرصة – على طبق من عناد وحسابات خاطئة – للإنقضاض على بقايا “الفريسة السهلة”؟!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top