
يروى أن فلّاحًا تكوّنت له علاقة صداقةٍ مع طبيبٍ من المدينة، وذاتَ يومٍ دعا الطبيب صديقه الفلّاح إلى تناول الغداء في بيته، حيث لاحظ الفلاح أنّ صديقه الطبيب يضعُ في حضنه طيرَ “حجلٍ” ويعطيه كل إهتمامه لا يأكل أو يشرب حتى يأكل ويشرب الطير ممّا أثار استغراب الفلاح فسأل عن سرّ هذا الاهتمام فردّ عليه الطبيب : بعد أن نتناول طعام الغداء ستعرف السرّ وراء ذلك .
بعد تناولِ طعام الغداء اصطحبَ الطبيبُ صديقه الفلّاح إلى مكانٍ خارج المدينة وأخرجَ طيرَ “الحجل” من قفصِه ووضعَه على تلّةٍ مشرفةٍ حيث بدأ بالتغريد عاليًا، فتجمّعتِ طيور الحجل بالقربِ منه، ولما تجمّع عددٌ كبير منها أخرج الطبيب بندقتيه وأطلق منها رصاصةً بإتجاه جمع الطيور بعد أن عزلَ طيرَه الخاص عنها فقتل عددًا كبيرًا منها، وهنا التفت الطبيب إلى صديقه الفلّاح قائلًا : هل عرفتَ الآن يا صديقي سبب إهتمامي بهذا الطير؟، فردّ: نعم عرفت وأريدك أن تبيعَني إياه وأعطيكَ أيّ مبلغٍ تطلبه، فامتنعَ الطبيب في البداية ولكن صديقه الفلّأح أغراه بالمال فباعه إياه .
وما ان استلمَ الفلّاحُ الطيرَ حتى قالَ لصديقه الطبيب: أريدُ أن أجرّبه كما فعلت، فردّ الطبيب: نعم هو الآن طيرٌك فأفعل ما تشاء، فوضعَه في المكان نفسه وقبلَ أن يبدأ الحجل بالتغريد، مدّ يده إلى البندقية وأطلق النار عليه وقتله، فصَاحَ الطبيب على صديقه ماذا فعلت يارجل كيف يُقتلُ مثلُ هذا الطير؟، فقال له الفلاح : هذا الطيرُ يجبُ أن يموتَ لأنه خائنٌ ويغدرُ بأبناءِ جلدته فموته يحفظ حياةَ الاخرين يا صديقي الطبيب المتحضر ..
قرار حكومي
لم تكد الحكومة تأخذ قرارها بـ “حصرية السلاح” حتى بدأ “حزب الله” حملةً شعواء وشنيعة بحق رئيس الحكومة نوّاف سلام “منفردًا”، وتدرّجت هذه الحملة صعودًا حتى وصفه بـ “العمالة” تارة وبـ “الصهيونية” تارة أخرى، وكأن سلام المسؤول الوحيد عن هذا القرار متناسين أنه “قرار حكومي” وبوجود رئيس الجمهورية، لكن التصويبَ راحَ باتجاهه فقط في محاولة بائسة لإظهار القرار على أنه “موقف سلام” فقط .
لقد تبدّت لكلّ اللبنانيين أن الأزمة المفتوحة التي يعيشها وطنهم سببها الأساس هو تعنّت حزب الله إزاء مسألة السلاح، رغم أنه صار عبئًا على الجميع وفقد “الحجة الواهية” التي كانوا يستخدمونها “غب الطلب” وهي حماية لبنان، لكنّ هذا الإدعاء سقط نهائيًا إذ أنّ السلاح وأصحابه غير قادرين على حماية أنفسهم فكيف بوسعهم حماية الوطن، فـ “فاقد الشيء لا يعطيه” .
لهذا فإن “الشمّاعة” التي يُعلّقون عليها أسباب تمسكّهم بالسلاح صارت سمجة جدًا لا بلغت حدود “الوقاحة”، وباتت الإتهامات بالعمالة جاهزة لكلّ من تراوده نفسه بتناول موضوع السلاح من قريب أو بعيد، رغم أن “العمالة” عينها وهي من داخلهم أسقطت قادتهم من الصفّ الأول وحتى آخر الصفوف، لذلك وبدلًا من كيل الاتهامات لرئيس الحكومة، يجب عليهم أولًأ البحث في صفوفهم عن “الحجل” الذي أوقعهم الواحد تلو الآخر .
السلاح صار أزمة
من دون مقدّمات، قضية السلاح يجبُ أن تصل إلى خاتمة ما، وأن ينضوي الجميع تحت مظلّة الدولة، وأن يخرج “فائض القوة” من الحياة اللبنانية كي نستعيدَ استقرارنا وحياتنا بشكل طبيعي، وأن نقف متساوين في الحقوق والواجبات، وأن نفهمَ معنى المواطنة الحقيقية والانتماء التام للدولة، فوظيفته قد انتهت وظهر عجزه الفاضح خصوصًا منذ 27 تشرين الثاني 2024 وحتى اليوم، إذ استمر العدو الإسرائيلي بعدوانه بينما ظهر التهديد بالسلاح بحرب أهلية .
الرئيس نوّاف سلام ليس عميلًا، وإن كان الحزبُ يراه بهذه الصورة فما معنى البقاء في حكومة يترئسها “عميل” ؟، لذلك فقد آن الأوان للجم كل هذه الأبواق التي تتشدّق بالوطنية والدفاع عن الوطن أن تكفّ عن “فحوصات الدم”، وأن تبدأ بإجراء مراجعة حقيقية وواقعية لنفسها، لأن أكثر من 70% من اللبنانيين أرهقهم السلاح ودمّرهم السلاح ونسفَ مستقبلهم السلاح، وصار لزامًا على أصحاب السلاح أن يعودوا إلى رشدهم قبل أن “يقع الفاس بالراس” ..
نوّاف سلام ليس عميلًا، فالورقة الأميركية مرّت على الرئيسين جوزاف عون ونبيه بري أيضًا، واتفاقية وقف إطلاق النار ومضمونها أشرفَ عليها الرئيسان بري وميقاتي، ليس دفاعًا عن سلام فحسب، بل هو الدفاع عن منطق الأمور وصوابيته، فما حاجتنا إلى هذا السلاح وهو يقف عائقًا أمام إزالة آثار العدوان الاسرائيلي الهمجي الذي تسبّب به السلاح نفسه؟، وما حاجتنا إلى السلاح والمشهد الاقليمي يتبدل عن بكرة أبيه ولا قدرة لنا على الوقوف بوجه هذا التبدل ؟..
قبل أن تتهموا نوّاف سلام بالعمالة حبّذا لو تبحثون عن “حجلكم” الذي قضّ مضاجعكم منذ هجمة “البايجر” حتى اليوم !! ..
