عن عقولٍ أسرع من ألسنتها.. وألسنةٍ أسرع من عقولها

بقلم الياس عيسى الياس

​في المناخات السياسية المأزومة، يبرز التنمر كأداة لتعويض العجز عن الاشتباك الفكري الرصين. وما نشهده من سخرية تجاه عثرات نطقية أو خصائص جسدية لبعض القامات العامة، ليس مجرد سقطة أخلاقية، بل هو تعبير عن فقر في أدوات النقاش السياسي؛ فمن يعجز عن مواجهة “المتن” الفكري، يهرب غريزياً إلى “الهامش” الجسدي، ظناً منه أن السخرية من تعثر اللسان تنال من رزانة الموقف أو كفاءة العقل.

إن هذا الانحدار يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بكيفية تقييمنا للنخب، حيث يُستبدل النقد المنهجي بالتهجم الشخصي، وتُهدر الحجة أمام ضجيج الشكل.

​لقد عانت الثقافة السياسية طويلاً من ظاهرة “تأليه الحناجر”. تكرست في الوعي الجمعي صورة الزعيم الذي يختزل الدولة في صوته، مما أدى إلى خلطٍ بنيوي بين الفصاحة والكفاءة. والمشكلة هنا ليست في “البيان” كقيمة جمالية، بل حين يتحول الأداء الخطابي إلى بديل عن بناء المؤسسات، ويُستثمر في “صناعة الصدى” بدلاً من “إنتاج الحلول”.

إن التاريخ يثبت أن صدق الموقف وأصالة الرؤية هما الأبقى؛ فجلالة الملك جورج السادس، الذي واجه النازية وهو يعاني من تعثر نطقي شديد، لم يكن بحاجة لسلاسة اللسان ليقود أمة؛ بل إن تردده الاضطراري في خطابه الشهير عام 1939 تحول في وجدان البريطانيين إلى علامة صدق وجهد، لا علامة ضعف. شعر الناس حينها أن ملكهم ينحت موقفه من صلب إرادته، لا يقرأ نصاً بارداً.

​وبالمثل، يبرز توماس جيفرسون، صانع إعلان الاستقلال الأمريكي، كنموذج للعقل الذي يفضل القلم على اللسان. كان جيفرسون يعاني من خجل مفرط وتعثر في الخطابة العامة، لكنه ملأ التاريخ برؤية أسست لدولة مؤسسات صمدت لقرون، مؤكداً أن الحقيقة لا تحتاج دائماً إلى صوت جهوري لتُسمع.

في المقابل، يزخر التاريخ بنماذج امتلكت فصاحة استثنائية لكنها قادت أوطانها إلى الهاوية؛ إذ استُخدم “سحر الصوت” لتخدير الجماهير وتغييب العقل المؤسساتي لصالح الكاريزما الفردية العابرة. إن العبرة ليست في غياب الحضور، بل في ضرورة عدم جعل “الإبهار اللفظي” قناعاً لغياب الاستراتيجية أو الضمير السياسي.

​إن ما قد يراه المتنمر “ضعفاً”، هو في جوهره نتاج لزخم الأفكار؛ عقول أسرع من ألسنتها، تتحرى الدقة وتخشى الابتذال اللغوي. والسياسي الذي يتروى في نطق كلماته، هو شخص يدرك ثقل الكلمة ومسؤوليتها في الفضاء العام، ويعرف أنها التزام أخلاقي لا يمكن استرداده. ما يُوصف بـ “التردد” هو في حقيقته رصانة معانٍ تتحرى الحقيقة قبل أن تنشد الإعجاب اللحظي للجماهير.

إن الذكاء السياسي لا يُقاس بسرعة الخاطر في الردود المسجوعة، بل في القدرة على صياغة مواقف تحتمل البقاء والمساءلة.

​إن الانحدار نحو التنمر الجسدي هو إعلان عن انغلاق أفق الحوار الوطني. الرد على أي شخصية عامة يجب أن يكون سياسياً، عبر نقاش الطروحات وتمحيص المواقف. أما السخرية من مقدرات نطقية فهي سلوك يعكس رغبة كامنة في العودة إلى عصر “الساحر” الذي يداعب العواطف بالكلمات المنمقة، بدلاً من “رجل الدولة” الذي يقاس نجاحه بالنتائج الملموسة والعمل الدؤوب في بناء المؤسسات.

المجتمع الذي ينساق خلف هذه السطحية هو مجتمع يؤجل نضوجه السياسي ويستعيض عن التفكير النقدي بالاستعراض الهزلي.

​نحن اليوم بحاجة ماسة للانتقال من سياسة “الخطابة” إلى سياسة “المؤسسة”، ومن تقديس “الحنجرة” إلى احترام “العقل”. العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى حنجرة صاخبة، بل إلى ضمير حي وعقل يدرك أن الحقيقة، مهما تعثرت في الخروج، تظل هي القوة الوحيدة التي لا تُهزم.

إن السياسة، في نهاية المطاف، ليست مسابقة في الفصاحة أو الأداء المسرحي، بل هي فن إدارة المصائر وبناء المستقبل بالنتائج والالتزامات.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top