
بقلم خالد صالح
قبل أكثر من ألف عام جلس “البحتري” في مجلس عامر بالفقهاء والأدباء، فساله أحد الحاضرين وسأله: يا أبا عبادة هل يمكنك أن تصف لنا هذا الزمان شعرًا؟ .. فقال “البحتري” أبياتًا فريدة في شكلها ومضمونها وحتى في تركيبتها وقوافيها:
إنّ الزّمانَ زمَانُ سَو
وجميعُ هذا الخَلقِ بَو
وإذا سألْتهُمُ ندىً
فجوابُهُمْ عَن ذاكَ وَو
لَو يَملِكونَ الضّوءَ بُخلاً
لَم يكُن للخَلقِ ضَو
ذهبَ الكرامُ بأسرِهم
وبقي لنا ليتَ ولَو ..
منذ الرابع والعشرين من شهر كانون الثاني 2022 دخل “تيار المستقبل” مرحلة دقيقة جدّا لم تكن في الحسبان، تعليق العمل السياسي، خطوة وصفها الكثيرون بالحدث الفريد في تفاصيل السياسة اللبنانية إن لم نقل العربية، خطوة خلطت الكثير من الأوراق سواء على المستوى الداخلي للتيار أو على مستوى المشهدية العامة في لبنان .
ويومًا بعد يوم تتّضح معالم التحوّل العميق في موقع تيار “المستقبل” ضمن المشهد السياسي اللبناني، فبعد أن شكّل في السابق رقمًا وازنًا في الحكم، تراجع نفوذ التيار بشكل كبير، خصوصًا مع خروج الرئيس سعد الحريري من موقع القرار الحكومي، وبداية التفكك البطيء في البنية التي كان يعتمد عليها في المؤسسات السياسية والأمنية والقضائية.
وعليه، تبدو عودة الحريري واستعادة دور تيار المستقبل، بمثابة اختبارٍ مصيريّ لا يقتصر على استعادة بريق الحريريّة السياسيّة فحسب، بل يتجاوزها نحو إعادة بلورة المشهد السياسي برمّته في لبنان، خصوصًا أن الحريري أعلن في الذكرى العشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري عن عودة التيار للعمل السياسي، لكن هذا الإعلان لم يتزامن مع خطوات تدلّ على النمط الذي سينتهجه ولا عن الكيفية التي سينطلق منها .
القاعدة بين المطرقة والسندان
مع اقتراب الاستحقاق النيابي ربيع العام المقبل لا حديث لدى الناس عمومًا والقاعدة المستقبلية خصوصًا إلا عن مشاركة “الحريري والمستقبل”، فعبارة “كل شي بوقتو حلو” لم تعد تبلسم الجفاف السياسي لدى هذه القواعد، رغم محاولات الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري الإبقاء على حضور سياسي عبر نشاطات محدودة، من بينها مؤتمرات شبابية ومشاركات نقابية ولقاءات سياسية تقليدية، إلا أنّ هذه المبادرات لم تعد تجد الصدى المطلوب داخل الساحة اللبنانية، حيث بات واضحًا أنّ التيار فقد القدرة على التأثير في مجريات السياسة الوطنية، وأن العودة تتطلب قرارات واضحة تعيد وضع “القطار المستقبلي” على سكته الصحيحة .
تخشى القاعدة المستقبلية من قرار شبيه بالقرار الذي سبق الانتخابات البلدية الأخيرة، فتضيع “البوصلة” وتتحوّل إلى حصصٍ يحاول الجميع تناتشها وكأنها “قالب جبنة”، وقد “عيل صبرها” من الركون إلى زاوية الانتظار، فهي لاتزال متمسكة بقائدها وتياره، ومعه على “المرة قبل الحلوة”، لكن إلى متى ؟، فحالة “الضبابية” بدأت تسيطر على مشاعرهم ويطلبون مواقف واضحة، أمام هذا الكمّ الهائل من “الخبريات” المتداولة، أمام نفي اعتادوا عليه لا يسمن ولا يغني من جوع.
تقف هذه القاعدة بين “فكي كماشة” تنتابها الحيرة من الأيام المقبلة، وتشعر أيضًا أنها بين “المطرقة والسندان” لاسيما مع التراجع الكبير لدور التيار في الحياة السياسية اللبنانية لمواكبة المتغيّرات الجذرية التي يشهدها لبنان والمنطقة والمتجهة نحو معادلات جديدة بعناوينها وتفاصيلها، وترتاب من هذا الركود الذي ضرب “المستقبل” بعدما بدأت “لعبة التوازنات” تأخذ طريقها في المشهدية المقبلة للسياسة اللبنانية .
الدور يثبت الولاء
لم يكن سهلًا على المستقبليين أن يجدوا أنفسهم خارج المعادلة، لكنهم تمسّكوا بخيار الرئيس سعد الحريري الذي أثبت صوابيته خلال السنوات الماضية، لكن هل يمكن لمفاعيل هذا القرار أن تستمر خلال المرحلة المقبلة؟، هو السؤال الذي يُقلقهم ويبحثون عمّا يشفي غليل عطشهم لاستعادة دورهم في رسم مستقبل البلاد، فـ “الحالة العاطفية” لاتزال موجودة وبقوة لكنها وأمام التطورات الهائلة التي يشهدها لبنان والمنطقة، صارت عرضّة للشكوك وبات لزامًا العودة إلى صدارة الحدث والتوقف عن لعب دور المتفرّج .
وأمام تضارب المعلومات حول عودة قريبة للرئيس سعد الحريري إلى بيروت، فقد سبق لنا في “ديموقراطيا نيوز” قبل أكثر من شهر أن أشرنا إلى عودة محتملة للحريري، وأن القرار قد اتخذ بالمشاركة بالاستحقاق الانتخابي في لوائح مستقلة من دون تحالفات مع الأحزاب والأطراف الموجودة بل تحالفات على مستوى المناطق، وهذا ما أكده الإعلامي “جورج بكاسيني” لاحقا أن المستقبل سيشارك في الانتخابات النيابية المقبلة وبلوائح مستقلة، الأمر الذي لم يُسهم بجلاء الصورة بل زادها ضبابية، لأن هكذا قرار يجب أن يصدر من رأس الهرم، والناس لم تعد تُصدّق البيانات والتصاريح من أي جهة أتت، لأنها تعلم أن “مفتاح الحل والربط” هو في أبوظبي فقط.
ورغم أن لا تأكيدات رسميّة لهذا الأمر، إلا أنّ الوضع الراهن صار يتطلّب مواقف واضحة والخروج من دائرة الرمادية، التي ظهرت في الانتخابات البلدية، وصار الأمر يتطلب “ورشة” كاملة وشاملة لنفض الغبار عن التيار وتجهيزه عدّة وعتادًا وعديدًا لاستعادة بريقه ودوره ومكانته في المشهد اللبناني، فهل سيعود سعد الحريري لقيادة تيار المستقبل مجددًا؟، أم سيترك الساحة لقيادات أخرى من داخل التيار وخارجه؟، وهل سيستطيع التيار بحالته اليوم مواجهة مختلف التحديات المصيرية للبنان وللتيار؟، أم أننا سنقول كما قال البحتري :
ذهبَ الكرامُ بأسرِهم
وبقي لنا ليتَ ولَو ..
