ماذا لو قالت السعودية ل”حزب الله “: نعم وهذه شروطي؟

بقلم خالد صالح

يُروى أن أعرابية وجدت في البادية “جروَ ذئبٍ” صغير قد ولد للتو وأمّه بجانبه قد قَتلَها الصّيادون، فحنّت عليه وأخذته إلى بيتها .. وقد كان لهذه المرأة “شاة “تقتاتُ من لبنِها، فجعلت “الجرو” يتغذّى معها من لبنِ “الشاة” ..
توالت الأيام وتربّى الجرو في حظيرة واحدة مع الشاة، ولما كبر ظنّت المرأة أنه سيحمي الحظيرة، فأمّنت له وخرجت، قاوم الذئب رغبته حتى غلبه طبعه فهاجم الشاة وافترسها، بعد أن وهبته الحياة، وعندما عادت المرأة رأت أشلاء شاتها والذئب يقف بعيدًا عنها فكسرَ قلبَها وبكت بحرقةٍ ثم صاحت بالذئب قائلة:
أكلتَ شُويهَتي وفجعتَ قلبي
وأنتَ لشـاتِنا ولـدٌ ربيبُ
غُذّيتَ بدرِّها وربَيت فينا
فمن أنبأكَ أن أباكَ ذيبُ ؟!
إذا كان الطباعُ طباعُ سوءٍ
فلا أدبٌ يفيدُ ولا حليب .. ( ويقال : أديبُ) ..
جرى قول المرأة مع الوقت مثلًا يُضرب لكلّ حادثةٍ مشابهةٍ في نكران الجميل، فهل يُمكن تهذيبَ الفطرةِ إن كانت معوّجة ؟، أم أن بعضَ الطباعِ مهما تغذّت على الخير، تعود لأصلها عند الامتحان ؟.
ليس سهلًا أن يمرّ الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بشكلٍ عابرٍ في الأوساط اللبنانية، فقد أثارَ موجةً واسعة من الجدل حين دعا إلى فتح “صفحة” جديدة مع المقاومة، ولم يكتفِ بهذه الدعوة بل أرفقها بسلسلة من “الشروط” اختصرها بعبارة “الأسس”، “حوار يُعالج الإشكالات ويجيب على المخاوف ويؤمّن المصالح” .
لطالما أعلنت المملكة العربية السعودية أن تعاملها مع لبنان يكون وفق الأطر الرسمية والديبلوماسية من دولة إلى دولة، وهي ترفض تجاوز هذا المسار أو خرق الأعراف والتقاليد، لكنّ أمين عام حزب الله الذي يرى حزبه وما يمثله يتقدّم على الدولة بأشواط ويطلب تطبيع العلاقات مع السعودية التي نالت الكثير من تجاوزاته خلال العقدين المنصرمين، بصورة “براغماتية” فيها الكثير من “الميكيافيللية السياسية” في توقيت إقليمي دقيق وحسّاس .
لكن .. ماذا لو تلقّفت المملكة هذه الدعوة بإيجابية وأرفقتها بسلسلة مطالب وليست شروطًا ؟، فهل سيلاقيها حزب الله إلى منتصف الطريق لإظهار “حسن النية” و “الجدية” في هذا الطرح ؟، أم أن هذه الدعوة من سلسلة البراغماتية التي يلعبها بإتقان ويراهن على الوقت عسى أن تتبدّل المناخات الإقليمية التي وحتى اللحظة من غير الوارد أن تتغيّر مساراتها وفقًا لأمنيات الحزب ورغباته .
ماذا لو قالت السعودية : نعم .. وطالبت الحزب الذي لديه كتلة نيابية معتبرة ومشاركة حكومية فاعلة، أن ينخرط تمامًا بـ “قرار الدولة” المتواجد في سلطتيها التشريعية والتنفيذية، وأن يلتزم بالقرار الرسمي والشروع بتسليم سلاحه للجيش اللبناني والعمل على بسط الدولة – التي هو جزء منها – سيطرتها على كامل الأراضي اللبنانية ؟.
ماذا لو قالت السعودية : نعم .. وطالبت الحزب بالانفصال عن المشاريع الاقليمية التي تعاديها، وطلبت بسحب جميع عناصرها المتواجدين في اليمن والعراق الذين يعملون على التخطيط لضرب المصالح السعودية في الداخل والخارج على السواء ؟.
ماذا لو قالت السعودية : نعم .. وأن طريقة “معالجة الإشكالات” تكون بانضواء الحزب تحت راية الدولة اللبنانية فقط، وأن “المخاوف” تزول عندما يقف الحزب عند حدود الـ 10542 كلم مربع ويلعب دوره كاملًا في بناء الدولة والمؤسسات الرسمية والعسكرية والأمنية ولا ينظر لنفسه كـ “سلطة” مستقلة لها كيانها المستقل عن مفهوم الدولة، وأن “المصالح” تؤمنها الاتفاقات الرسمية التي توقع بينها وبين لبنان كدولتين مستقلتين وذات سيادة ؟.
ماذا لو قالت السعودية : نعم .. وطالبت الحزب وأجهزته بالكفِّ عن الاساءة للمملكة، ولجم الأبواق الإعلامية التابعة له أو التي تتحدّث باسمه ليل نهار، والتي تعمل دومًا على التحريض عليها، سياسيًا وعقائديًا، وأن يصبح حزبًا سياسيًا يمارسُ السياسة بأطرها الصحيحة، خصوصًا أن المملكة تتعاطى مع اللبنانيين من بابِ سلطاتهم المعترف بها، التشريعية والتنفيذية، ولا تتعامل مع الأحزاب كأجسام منفصلة عن الدولة كلّ جسم على حِدَة ؟.
ماذا لو قالت السعودية : نعم .. هل بوسع الحزب أن يُعيد النظر في قائمةٍ طويلةٍ من الاتهامات التي يوجهها للمملكة وأن يدير عملية تحوّل حقيقية في بيئته التي تشرّبت من وصايا “المهندس” بأن الحربَ الحقيقية هي ضدّ الرياض وأن تحرير الحرمين الشريفين يتقدّم على تحرير القدس؟، وهل بوسعه أن يُقنع العالم بأنه ليس ميليشيا إرهابية مصنّفة على هذه الشاكلة في أغلب الدول وفي مقدمها دول الخليج العربي ؟.
كثيرة هي الأسئلة التي يمكن للمملكة العربية السعودية أن تطرحها على قيادة حزب الله، لكن حتى اللحظة لم يصدر عنها أي بيان رسمي بهذا الصدد، ربّما لأنها صارت على درايةٍ تامة أن هذه “الرسالة الملغومة” جاءت نتيجة الضغوط الكبيرة التي باتَ يرزحُ تحت ثقلِها داخليًا وإقليميًا، وأن تجربة الـ 2006 وما تلاها لاتزال ماثلة للعيان، وأن المتابعين سواءَ في المملكة أو لبنان ليسوا من أصحاب “ذاكرة السّمك” بل ويحفظون عن ظهر قلب كلّ المواقف والتبدلات فيها ويعرفون جيدًا مضمون البيت الشعري:
إذا كان الطباعُ طباعُ سوءٍ
فلا أدبٌ يفيدُ ولا أديبُ ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top