
بقلم خالد صالح
يُحكى أن أحدَ الملوك أُهدي إليه صقرين صغيرين رائعين فأمر كبير مدربي الصقور في قصره بالتكفّل بإطعامهما وتدريبهما .. فعل المدرب ومرّت الأيام وبعد أشهر سأل الملك : كيف حال صقريّ؟ .. فجاءه المدرب مرتبكًا وأخبره أن أحد الصقرين يُحلّق بشكل رائع ومهيب في عنان السماء، بينما لم يترك الآخر ومنذ اليوم الأول غصن الشجرة الذي يقف عليه مطلقا ..
هنا قطّب الملك حاجبيه وقال : كيف لصقر ألا يطير، اجمعوا لي أهل الاختصاص من كلّ أنحاء البلاد ليعتنوا بالصقر لعلّه مريض .. توافد المختصون من كلّ حدبٍ وصوب لكنّهم لم يتمكّنوا من معرفة ماذا حلّ بالصقر أو حثّه على الطيران.. فخطرت في عقل الملك فكرة؛.. أنه ربما عليه أن يستعين بشخص يألف طبيعة الحياة في البريّة ليفهم أبعاد المشكلة بشكل أفضل .. أمر الملك فورًا بإحضار أحد الفلاحين وأخبره بمشكلة الصقر الذي لم يترك غصن الشجرة ..
وفي الصباح ابتهج الملك عندما رأى الصقر يُحلّق فوق حدائق القصر، فسأل الفلاح: كيف جعلته يطير؟، فأجاب بثقة: كان الأمر يسيرًا يا مولاي، لقد كسرتُ الغصن الذي يقفُ عليه، فحلّق من دون رهبة من السقوط، فالغصن الذي يمنحك الأمان قد يكون أحيانًا العائق الذي يقف بينك وبين السماء .
زحلة بلا تمثيل
زحلة .. “عروس البقاع” ، “دار السلام”، “عاصمة الكثلكلة في الشرق”، “مربى الأسودي” كما يقولون، التي لطالما تغنّت بدورها وتاريخها وريادتها في لبنان عمومًا والبقاع خصوصًا، تعيشُ مرحلة من “الضياع والفراغ”، فهي منذ الـ 2018 فقدت هويتها، وصار الوافدون من “عمق السهل” يتحدّثون باسمها ويمثلونها على المستوى السياسي بعدما كانت ولعقود خلت هي من يؤسّس للحراك السياسي في المنطقة .
مع رحيل النائب والوزير السابق “إلياس سكاف” وانكفاء النائب والوزير السابق “نقولا فتوش”، وبروز “القوات اللبنانية” كقوّة أولى في المدينة، وجدت زحلة نفسها أمام “سحب البساط” من تحتها وتسليم راية القيادة إلى شخصيات لا تنتمي للمدينة ولم تخرج من رحمها خصوصًا على مستوى “التمثيل الكاثوليكي”، ولم تنجح في استعادة القيادة في دورتين نيابيتين سابقتين، وبقيت أسيرة “الغصن الحزبي” الذي تقف عليه، وهويتها المحلية ضائعة .
نجحت “القوات اللبنانية” في تقديم أحد أبرز وجوهها كنائب عن زحلة والبقاع الأوسط (جورج عقيص)، لكن الهوية المناطقية لـ “عقيص” أنه من السهل وقادم من بلدة “رياق”، بينما النائب ميشال ضاهر فهو من بلدة “الفرزل”، لهذا تشعر زحلة وهي التي “تتغنى بكاثوليكيتها” أن زعامة المنطقة سُلبت منها نحو الإطار الحزبي أو الاقتصادي، بعدما شكلت “الزعامة العائلية” المرتكز الكبير وحجر الرحى الذي تدور حوله السياسة في البقاع.
تُدرك “القوات اللبنانية” وبقية الأحزاب في المدينة “التيار الوطني الحر والكتائب” هذه المعضلة، فالزعامة الكاثوليكية يجب أن تنبثق من قلب المدينة الأم، وللمفارقة فإن عقيص نال (11921 صوتًا تفصيليًا) بينما زميلته “الزحلية” على اللائحة نفسها “سابين القاصوف” نالت (213 صوتًا تفضيليا فقط)، أما النائب ميشال ضاهر فقد نال (9229 صوتًا تفضيليًا)، فيما بقية المرشحين على كل اللوائح سواء من قلب المدينة أو من خارجها فلم يتجاوزوا بضعة مئات من الأصوات لكل منهم، وهذا مؤشر أن الأحزاب والمال كانا العنصرين الأساسيين في بلورة النتائج.
الهوية الضائعة
“أنا زحلاوي”، هوية يفتخر بها أبناء المدينة أكثر من عبارة “أنا بقاعي”، لأنهم اعتادوا مفهوم القيادة والصفوف الأولى، ليجدوا أنفسهم اليوم بلا قيادة محلية وفي الصفوف المتأخرة، وأن القرار لم يعد لهم بل للقيادات الحزبية من معراب إلى بكفيا وصولًا إلى الرابية، حتى علاقاتهم مع محيطهم في البقاع الأوسط لم تعد كما كانت عبر التاريخ، بحيث بات الإحساس لديهم أنهم صاروا من الأتباع نتيجة فقدانهم للشخصية “الرمز” التي يلتفون حولها كـ “زحليين”، شخصية قيادية تتجاوز حدود الأحزاب المسيحية المغلقة على نفسها نحو النسيج البقاعي بكل تكويناته الديموغرافية .
بلغت “زحلة” قمة السياسة اللبنانية برمّتها عندما تبوأ الرئيس الراحل “إلياس الهراوي” سدة رئاسة الجمهورية، ومن دون شك كان عهده من أنجح العهود ما بعد الطائف، وتفتخر زحلة بإبنها خصوصًا أنه الرئيس “السياسي” الوحيد الذي حلّق عاليًا بعدما “كسر غصن التردد” وهو الوحيد أيضًا الذي بلغ هذا المقام من خارج لقب “العماد”، وهو الوحيد أيضًا الذي “سلّم الرئاسة” وعلّق “وشاح الجمهورية” على كتف سلفه، تاريخ عريق تفتخر به عاصمة الكثلكة وتتحسّر عليه كثيرًا.
بدأ “الزحليون” ومع اقتراب الاستحقاق النيابي يستشعرون خطر تهميش المدينة من جديد، لِمَ لذلك من انعكاس سلبي على تركيبتها السياسية والعائلية، بالاضافة إلى الروابط التي تجمعها بمحيطها، فالأحزاب الثلاثة القائمة فيها لاترابط لها مع المحيط كما كان في السابق والأسباب معروفة خصوصًا مع تواجد أحزاب مناوئة لها (حركة أمل وحزب الله) وأخرى على تباين معها (المستقبل)، وما تمثله هذه الأحزاب من بيئات سنية وشيعية، قد تتوافق مع الزحليين كزحليين وتتعارض مع الخط السياسي المهيمن على قرارها حاليا.
تبحث “عروس البقاع” عن هويتها بعدما جرّدتها الأحزاب منها، وهي ترفض رفضًا قاطعا أن تُختزل بلون سياسي واحد، فهي قلعة سيادية ووطنية بامتياز لكنها تاهت في زواريب الأحزاب، والكثير من قياداتها يقفون على “غصن” الخوف والتردد وعدم الرغبة في تغيير الواقع القائم، رغم أن في زحلة طاقات هائلة في مختلف المجالات، فهل تنجح “مربى الأسودي” أن تكسر حواجز الخوف وأغصانه لتحلق في سماء البقاع من جديد ؟ .
