رسالة من “لبنان” إلى “رفيق الحريري” : أحتاجُك !!

بقلم خالد صالح

يا رفيق الحريري:
وأنتَ تنظرُ من عليائِكَ إلى حالي من بعدِكَ، سترى ببصرِكَ الذي هو اليوم “حديد”، كم هي قاسية خسارة الأحلام عندما تنكسرُ مثل جناح سنونوة، الأحلامُ التي رأيتُها كـ “وطن” يومَ استمتعتُ بمحبتكَ وحرصكَ وخوفكَ على بقائي حيًّا، وكم هي مؤلمة فجيعة الغابة عندما يسقطُ عندليبُها الذي بنى فوق غصونِها أعشاشًا كثيرة، قبل أن تُصفّقَ الأجنحة وترتفعَ زقزقة العصافير ويبزغَ الفجرُ وتشرقَ الشمس ..
اليوم في “عيدِ مولدك الحادي والثمانين”، أخاطبُكَ بلسانِ حالي الموجوع ليس فقط على ما آلت إليه أموري من بعدِكَ، بل لأنني أفتشُ عن “قلبٍ نقي” يُحبّني ويرعى أموري ويحملُني على أجنحةِ الدهشة إلى العظمة مثلُ قلبك، ألم تعدني أنكَ ستجعلُ مني “أصغر قوّة عظمى في العالم”،فرأيتُ فيكَ وبأحلامكَ لي أنكَ من طينة العظماء الذين يمرونَ في التاريخ مرة واحدة، رأيتُ فيك رجلًا نسي “الأنا” ووضعَ نفسه وكلّ ما يملكُ في خدمتي أنا وشعبي ..
تميّزتَ يا رفيق مذ أعلنت أمام العالم أنني أتصدّر المشهدَ لديكَ، ألم تقل “لبنان أولًا” في كلّ أنحاء المعمورة، كنت تُجاهرُ بها “آيةً” من الحبّ والوفاء والعمل الذي لايفتر لتألقي من جديد بعد سنواتِ الحرب العجاف، كنت عذبًا كمياهِ صنّين، شفافًا رقراقًا، وصلبًا كأغصان أرزتي، عزيزَ النفسِ تنطقُ حقًا، حتى همسكَ كان مدويًا، أعدتَ إلى ربوعي مفاهيمَ الرصانة والأخلاق العالية والصدق قولًا وعملًا، واجهتَ من حاول تغييبكَ عن عالم السياسة بحزمٍ ورصافة وحسن دراية، فغيّبوك بـ “طنين” من المتفجرات في يومٍ مشؤوم هزّني على مساحتى من الشمال إلى الجنوب ..
آه يا رفيق :
الموتُ ليس وجعًا .. الفقدُ هو الوجع الحقيقي .. والاحتياج لكَ وجعٌ لا يطاق .. كم كنتَ نادرًا في حضوركَ حتى حدود الدهشة .. وكم صرت نادرًا في غيابكَ أكثر ندرة من الدهشةِ ذاتها .. احتاجُكَ في زمن الثرثرة والصّخب الفارغ وأنتَ الذي أعطى للصّمتِ القيمة الكبرى .. احتاجُكَ مثل طائر “الرّخّ” الفريد، أن ترخى بجناحيك الهائلين على خارطتي كي يكونَ ظلّك ورافًا على كلّ حبة من ترابي، أن تكونَ مثلَ ربيعٍ واعدٍ ألقى بذورَه في حقولي الجرداء، لكنهم لم يدعوك تنتظر كي ترى البراعم التي زرعنها بإيمانك تتفتح لأطل على الدنيا “وطنًا” لطالما حلمتَ به وعملتَ من أجله ..
أحتاجُكَ يا رفيق، لأن هدوءَك حكمة، ورصانتكَ سياسة، وحديثكَ إسناد، وصمتكَ قيمة عليا، ولأنكَ من عليائك لاتزال توقظ فيّ الحنين إلى الحبّ الخالص والسلام الحقيقي، الحنينُ إلى الوقوف أمام حضوركَ الأخّاذ وقامتك المختلفة، الفارعة بلا ادّعاء، الصّارمة بلا عبوس، المؤمنة بلا تعصّب، السالكة في السياسة، بثقل الواثق، وصلابة المصيب، وشجاعة فريدة .. كلّ ذلك، برقة وخفة وإيحاء يشبه البوح ..
آه يا رفيق كم احتاجُكَ .. احتاجُ لغتك الهادئة في زمنٍ يمتهنُ فيه الغارقون في أوهامهم – الأقربون والأبعدون – لغةَ الكيدِ والشتيمة، احتاجكَ لأنكَ كنتَ الحليفَ الممكن والخصمَ النبيل والندَّ المقنع، الرفيقُ الودود والصادقُ غير المتلون، صاحبُ الوصال وغيرُ الممتهن للقطيعة، إيمانكَ بي أساس رؤيتك، عروبتكَ مصدر علاقاتكَ، وأخلاقياتكَ ركيزة إدارتك لسياستك، لم تكن رجلًا محبًّا للجدل والسفسطة، صاحب صدر مشرع لقبول الآخر بالتماع قيمكَ ومبادئك، يتسعُ لكَ الزمان والمكان في وقتٍ ضاقت على البقية حتى جدران قصورهم ..
احتاجُك يا رفيق، لأن الاختلاف معكَ قواعده الاحترام، ولأن التباين في وجهات النظر دائمًا له مكان يتسع لاستقبالك، تدخلها كأنك منها، بطريقة مختلفة، وتتعامل معها على خلافك معها، كأنك في الحسرتين: حسرة الاقتراب الممتنع، وحسرة الافتراق المؤلم، كأنك تريد أن تزيح الخلاف مع البقية، كي تكونا معًا ولا تكونا، هم في مواقعهم وأنت ضدهم، وتلتقيان على ود واحترام ونبل عظيم .. لذلك كانت المجالس تضجّ بك أينما حللت، ترافقك العيون والقلوب كيفما مشيت، كنت حلمًا ولم تكن مشروعًا، فقتلوا أحلامي، وقذفوا بي في ظلمة داكنة، لاضوء ألمحه في آخر النفق ..
احتاجُكَ يا رفيق .. فأنتَ لا تُشبه أحدًا من رجالات السياسة الذين سبقوك أو عاصروك، أو من الزمرة التي أبتليتُ بها اليوم، لست من الذين يرهنون وجودي أنا وشعبي لمشاريعهم الخاصة، كنت البوصلة والمقياس، وحامل صكّ المصلحة الوطنية بلا أحقاد وبلا نعرات، مشبعًا بروح يقينك بي أنني الوطن – الرسالة، كنت “اللاطائفي” بامتياز في العمق والأداء، تقبل الخصوم كما تقبل الحلفاء بالأفعال وليس بالأقوال، كنت الرجل “المبدأ والقيم والثوابت” الذي لا يساومُ على دستوري وقوانيني ومؤسساتي الرسمية ..
آه يا رفيق كم احتاجك اليوم .. احتاجُ فيكَ السياسيّ الشّهم والمسؤول الحلم، فالأفق حولي اليوم صار داكنًا، والصورة سوداء وساحاتي الرسمية والعامة مجرّد مسرح لدونية الزعيق السياسي الوقح وفظاظة الدجالين يرفلون بأجنحة الملائكة، ويرفعون عند الهيكل لافتة “سوق الاوقية” .. احتاجُك أيّها الإنسان الفريد في مثاليتك، وأنت الذي لم تنسَ الانتماء المشرّف لي حتى في أحلك الأوقات وأمرّها عليك يوم قلت “استودع الله هذا البلد الحبيب لبنان وشعبه الطيب”، الكلمة الحقّة التي أشعلت النار في هشيم السياسة والسياسيين في ربوعي المعذبة، وستظلّ عبارتك جمرًا تحت رماد أحلامي المكسورة، أبحثُ عن رفيق آخر يعيد لي براعم الآمان المفقود ..
في يوم مولدك يا رفيق، ستظلّ الأيقونة التي أتزيّن بها ما دام اسمي “وطن” إلى أبد الآبدين ..
كلمة أخيرة يا رفيق .. “سلملي على كل الشهداء” ..
التوقيع : لبنان المعذب ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top