بين الخوف والحب: متلازمة ستوكهولم وواقع الولاء في لبنان

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

بين الظلال والقلوب، حيث تتلاطم الأمواج بين الخوف والحب، وبين الألم والولاء، تزحف متلازمة ستوكهولم إلى النفس كنسمة ليلية في غابة مظلمة. تخيّلوا ستوكهولم عام 1973: موظفون في بنك محتجزون رهائن، ستة أيام من الظلام، من ارتجاف القلوب، من صمتٍ يختنق فيه الصوت. وفي تلك الأيام، كان الخوف يضغط على كل عضو، والرهبة ترتعش مع كل حركة خاطف، والاعتماد يصبح ثقلًا يربط الإنسان بمن يسيطر على حياته.

لكن في هذا الظلام، بدأ شيء آخر يحدث. بعض الرهائن شعروا، بطريقة لا تُفهم إلا بالروح، بانجذاب غريب نحو من كان يهدد حياتهم. قلب الإنسان يحنّ إلى من يسيطر عليه، عقله يبرر ما لا يمكن تبريره. هنا وُلِدت متلازمة ستوكهولم، ليس اسم طبيب، ولا وصف علمي بارد، بل قصّة قلب الإنسان حين يُجبر على الحب في أحلك الظروف، حين يصبح الخاطف في عيون الضحية منقذًا، والحماية مقترنة بالخطر.

وعندما ننقل هذا السحر المظلم إلى لبنان، نجد صدى الواقعية في ولاء الناس لزعامات أذّت الوطن والشعب. الزعيم هنا يشبه الخاطف والمنقذ في آن، يقدم خدمات جزئية، يفتح أبوابًا مغلقة، ويمنح شعورًا بالأمان، بينما الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها. المواطن يعلق نفسه بشبكة الزعيم، ليس لأنه يريد، بل لأنه مضطر، ليس لأنه يؤمن بما يفعل، بل لأنه يخاف أن يفقد كل ما يمنحه هذا الزعيم من حماية أو وظيفة أو رابط اجتماعي.

في هذا الواقع تولد نسخة لبنانية من متلازمة ستوكهولم، حيث يصبح الزعيم، المعالج، أو المنقذ السياسي، شخصية مزدوجة: من يجرح ومن ينقذ، من يسلب ومن يعطي، من يربط ومن يحرر. القلب يتعلم أن يحب من يؤذيه، والعقل يبرر، والولاء يصبح أعمى، لا شعوري غالبًا، لا لأنه حب حقيقي، بل لأنه خيار البقاء. الاعتماد على المعتدي يصبح سلطة صامتة على الروح، يعلّم القلب أن يرتبط بما يدمّر، وأن يحنّ إلى من يجرح.

الواقع اللبناني مرآة حية لهذه الظاهرة. الزعامات الطائفية والحزبية تولّد شبكات حماية مؤقتة، خدمات جزئية، وظائف محدودة، لكنها تتحكم بالقلب والقرار. المواطن يجد نفسه في دائرة مغلقة: الولاء يضمن البقاء، والتحرر يهدد الحياة اليومية. الفساد، الهدر، تدمير المؤسسات، كل هذا يُسوّغ في عقلية المواطن ضمن روايات ذهنية تدفع الضمير إلى التبرير: “لا بدّ من حماية الطائفة”، “البديل مجهول”، “لن يبقَ أحد ليحميني”. العقل يبحث عن الأمان في من يمثل الخطر ذاته، والقلب يتعلم أن يحب ما يدمّر.

ولا يقتصر الضرر على الأفراد. هذا الولاء السياسي يولّد أزمة وطنية: يضعف الدولة، يبطئ التنمية، يعمّق الانقسامات الطائفية والمناطقية، ويجعل المواطن أسيرًا بين رعايته المحدودة وضرره الطويل المدى. الولاء هنا ليس مجرد شعور، بل شبكة معقدة من خوف، اعتماد، اقتصاد محدود، هوية، وسرديات عقلية تجعل من التخلي عن الزعيم مغامرة خطرة، ومن البقاء عبئًا مختلطًا بالولاء والخوف والحب.

ومع ذلك، التحرّر ممكن، وإن بدا بعيدًا. يبدأ بإعادة بناء الثقة بالمؤسسات العامة، تعزيز الحماية الاجتماعية المستقلة عن الزعامات، وتوفير البدائل الاقتصادية والاجتماعية. يبدأ بتعليم الناس حقوقهم، وتمكينهم من الاختيار الواعي، وبناء سرديات جديدة تحرّر العقل والقلب من الاعتمادية. الفن، الأدب، والمجتمع المدني يستطيعون أن يخلقوا قصصًا عن من تحرّروا، عن من اختاروا الوطن لا الزعيم، عن من أحبّوا الحرية لا الاعتماد، ليصبح الحب للوطن والولاء للمواطنة أعظم من الولاء لشخص أذى الوطن.

في النهاية، متلازمة ستوكهولم، كما تظهر في ستوكهولم نفسها وفي لبنان، ليست مجرد مفهوم نفسي أو رمز، بل مرايا صامتة توضح كيف يمكن للخوف والحاجة أن يربطا الإنسان بمن يؤذيه، وكيف يمكن للولاء أن يقيد الحرية، وكيف يمكن للحب أن يولد في أحلك الظروف، حتى في قلب الخراب. في لبنان، كما في قلب كل إنسان، علينا أن نتعلم أن نحب الوطن، لا الزعيم، وأن نرتبط بالمؤسسات، لا بالخطر المؤقت، وأن نجد في الظلال، كما في النور، معنى الحرية الحقيقية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top