
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
لقد كان الفن، ولا يزال، الشاهد الأوحد على قسوة اللعبة السياسية، والمرآة التي لا تعرف المساومة أمام وجه الحقيقة القاسي. ففي هذا العصر الذي تطبق فيه التكنولوجيا هيمنتها الخفية، ويثقل فيه تاريخ القمع كاهلنا، تنقلب العلاقة بين الإبداع والسلطة من مجرد صراع إلى معركة تحديد المصير. وحينما تنبري المرأة لتخوض هذه الجدلية، يصبح الرهان ثلاثي الأبعاد: تحرير الروح الفنية من قيد التنميط، وتحرير الإرادة السياسية من وهم الطاعة، وتحرير الذات الجندرية من سجن التقاليد البالية. إنه تفاعل يكشف لنا كيف يمارس الاستبداد الحديث فنونه البائسة، وكيف يجب علينا أن نسلّ سيوف المقاومة.
الفن بوصفه “شرطاً” للوجود
ما هو دور الفن الحقيقي في هذه المحنة التي نعيشها؟ أهو مجرد ترفيه يريح الأعصاب المُتعبة، أم أنه قذيفة تنفجر في وجه الرتابة؟
إن الفن السياسي هو حجر الزاوية في بناء التغيير العميق، وهو يعمل عبر ثلاثة محاور لا تقبل التراجع:
1. تحطيم صنم الرواية الرسمية (الغرابة والدهشة)
تسعى السلطة الجائرة إلى أن تفرض علينا “الحقيقة المُعلبة”، تلك التي تُدار على شاشات الإعلام ومنابر الخطب الرسمية. لكن الفن، بوصفه فعلاً نبوياً، يهتك هذا الستار، ويكشف “الحقيقة الإنسانية” الموؤودة. لقد علّمنا بريشت أن التغريب هو فن التوقف، أن تنزع عن الواقع رداءه المألوف لتراه بعين أولى، عين الناقد الواعي لا المُستهلك المُخدر.
2. رسْم المدينة الفاضلة في الأفق (مأساة الذاكرة)
لا يكتفي الفن الثوري بتشريح الداء الحاضر، بل ينطلق ليرسم لنا أفقاً منشوداً، يوتوبيا الضرورة، مستقبلاً جديراً بحلم الإنسان. إن “غيرنيكا” لبيكاسو ليست لوحة بقدر ما هي صرخة تمنع النسيان. أما شعراء الكلمات المغضوبة، كـ الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، فقد أورثوا الجماهير لغة مشتركة من الأمل والغضب، هي في جوهرها خريطة طريق مُخططة نحو الحرية.
3. استرجاع سيادة الكلمة (نزع الهالة)
إن الأنظمة التسلطية تملك مهارة فائقة في إفراغ الكلمات من شحنتها ومعناها، فتحولها إلى قوالب جامدة. لكن الشعر، والسخرية النبيلة، يعيدان للكلمة عافيتها النقدية. يصبح الإبداع عندها وسيلة لتجريد رموز الهيمنة من هالتها الزائفة، وتعبئتها بالسخرية اللاذعة والمعنى المقاوم، ليغدو الفن هو الكاسر لتمثال الأنا العليا للسلطة.
المرأة… بوصلة التحرير
لم تعد المرأة مجرد موضوع على لوحة، بل هي الفاعل التاريخي الذي يكتب بدمه وحبره صفحات المقاومة. إن صراعها مضاعف: فهي لا تجابه فحسب رقابة الدولة الحديدية، بل وأيضاً سلطة الأبويّة المُترسّخة.
1. الجسد كـ “شاهد” لا كـ “كائن يُرى”
في تحول درامي، تتخطى الفنانة حدود الجسد الذي يُشاهد إلى مرتبة الشاهد الذي يروي. إنها تملك جسدها وصورته كسلاح للتعبير عن السيادة المطلقة للذات. أعمال منى حاطوم، بما فيها من قسوة مواد كالأسلاك، هي دلالات رمزية على العنف الذي يحيق بالهوية.
2. تنقية الذاكرة الوطنية
تسعى الفنانات إلى تفكيك الرواية الوطنية التي كُتبت بمداد ذكوري، رواية البطولة المزيفة. هُنّ يسجّلن معاناة الحياة اليومية التي هي البطولة الأصدق. جوسلين صعب، في بيروت المتفحمة، ركزت على نبض الشارع لا صدى القذيفة. وصوت فيروز ظل، ويبقى، ذلك الرمز الأثير للوحدة التي نحلم بها، وحدة تُنسج من خيوط الحنين لا من وثائق القوة.
3. النبض الرقمي
في هذا العصر الذي يحيطنا بأسواره الافتراضية، أتاحت المنصات الرقمية للمرأة منبراً مباشراً. إنها فرصة للتحرّر من معاقل الرقابة التقليدية، لتبوح عن قضايا التحرش والهوية.
فخ الاستبداد المُدلَّل (القفاز المخملي)
إن الخطر اليوم ليس في صرامة الاستبداد القديم، بل في نعومة ومهارة الاستبداد الجديد، الذي يستخدم الثقافة والأدوات الرقمية لترويضنا بلا ضجيج.
1. الفن كمُخدّر ثقافي
يتم تحويل الإبداع إلى مجرد سلعة استهلاكية، إلى منتج ترفيهي فارغ. هذا التحويل يقضي على قدرة الفن على إثارة الوعي النقدي، ويجعل منا متلقين سلبيين في صالة انتظار لا تنتهي.
2. السخرية المجهضة
يُسمح لنا ببعض النقد الساخر، نعم، لكنه يُوجه ليغدو مجرد نكتة عابرة أو “تريند” مستهلك، أشبه بصرخة تُطلق في وادٍ سحيق. إنه يستهلك طاقتنا الثورية دون أن يترك أثراً حقيقياً، ممارساً علينا فعل نزع التسييس.
3. الرقابة الصامتة (الخوارزميات)
لم تعد الرقابة سيفاً مسلطاً، بل أصبحت خوارزمية ذكية. إن تقنيات الحظر الخفي (Shadow Banning) تعمل في الخفاء لتقييد انتشار الصوت النقدي، بينما تترك للفن المُروَّض والسلعي كل الحرية للانتشار والتمرد الزائف.
الفن هو رهن الحرية
إن جدلية الفن والسياسة والمرأة ليست نزاعاً عابراً، بل هي صراع على تعريف كرامتنا الإنسانية. يجب أن نعي أن الفن ليس مجرد زينة تأتي بعد أن نُتمّ التحرير السياسي، بل هو الروح التي تبعث فينا الرغبة في التحرر، وهو شرط حدوث أي استدامة في الحرية.
إن المرأة، هنا، هي قلب الثورة، لأنها تناضل من أجل سيادتها الخاصة والعامة معاً.
”إن الفن هو الميثاق الذهبي الذي يجمع بين نقاوة الوعي وعنفوان الحرية، والمرأة هي الشاهد والبوصلة لهذا الميثاق الأبدي.”
