
بقلم جوزاف وهبه
ماذا يعني أن يزور “البابا لاوون الرابع عشر” لبنان، وهو الثالث في قائمة زوّار رأس الكنيسة الكاثوليكيّة في العالم إلى هذه البقعة المشتعلة، منذ نشأة الكيان وفق تقسيمات سايكس بيكو الشهيرة؟
ماذا يعني أن يخطب رئيس الجمهوريّة (أكان الجنرال جوزاف عون، أو أحد الرؤساء السابقين ميشال عون وميشال سليمان وأمين الجميّل..) عن “لبنان الرسالة” وأرض “التعايش الإسلامي – المسيحي”، وما شابه من شعارات برّاقة قد تُفرح السمع والروح، ولكنّها لا تلبّي الحدّ الأدنى من الواقع المرتجى؟
ماذا يعني أن يصطفّ كشّافة الإمام المهدي على طريق المطار ملوّحين للضيف الزائر (ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ أهل البقاع قد رفعوا من باب الخطأ وعدم المعرفة صور البابا الراحل فرنسيس..)، وأن يشارك رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد شخصيّاً في استقبالات القصر الجمهوري (وقد شوهد يصفّق عند دخول الحبر الأعظم..)، جنباً إلى جنب مع جميع النواب والكتل النيابيّة، وفي مقدّمتهم رئيس المجلس نبيه برّي، وهم العاجزون عمليّاً عن عقد جلسة واحدة لمجلس النوّاب حيث يجب أن يلتقوا، ويجب أن يسنّوا القوانين التي تحفظ حقوق الشعب، والتي تجعل منه فعلاً لا قولاً وطن الرسالة ووطن التعايش/ النموذج الذي يُحتذى؟
كلّ هذه “الهمروجة” العاطفيّة، أكانت صادقة نابعة من القلب، أو كانت مجرّد إستعراض في الوقت اللبناني الضائع، لا تقدّم ولا تؤخّر، كما جاء على لسان المطرب جورج وسّوف في غنائه عن “كلام الناس”..وهكذا كلام جميع الحاضرين في “حشد البابا” لا يقدّم ولا يؤخّر في مسارات الإنزلاق التي يحثّ الخطى فيها الوطن الصغير تحت الضربات الإسرائيليّة اليوميّة، وتحت ثقل التهديدات التي يحملها إلينا تباعاً رُسُل الدول العربيّة والغربيّة، من وزير الخارجيّة المصري، إلى مبعوثة الرئيس الأميركي الدبلوماسيّة الجميلة أورتاغوس!
سنصلّي مع قداسة البابا لاوون عند حدود مرفأ بيروت، دون أن يعني ذلك أنّ حقيقة الإنفجار الكبير ستأخذ مجراها إلى عدالة المحاكم والأرض..
سنزحف زرافات ووحدانا إلى بازيليك حاريصا أو إلى دير عنّايا دون أن يعني ذلك أنّ “العقل المسيحي” سيشهد تحوّلاً يُبنى عليه في وحدة الساحات أو في الخروج من عقدة الأقلّيات والتفوّق الفينيقي الموهوم:لنتذكّر، من أيّام قليلة، كيف رغى وزبَد الرأي العام (في ما يُسمّى الشرقيّة) حيال زينة ميلاديّة قدّمها رجل أعمال مسيحي، ونفّذها فنّانون عالميّون مسيحيّون، لتتحوّل إلى تهمة بأنّها “زينة رمضانيّة” (أي تخصّ أهل الغربيّة)، وكأنّ في ذلك نقصاً ما، علماً بأنّها رسوم بيزنطيّة مهد المسيحيّة في التاريخ القديم..
ستتوالى بيانات الترحيب والتبجيل بالزائر الكبير، دون أن يتمكّن المرحّبون والمهلّلون على التوافق حول أبسط حقوق المغتربين اللبنانيين:الإقتراع في أماكن غربتهم، ليس فقط كحقّ طبيعي من حقوق المواطنة، بل كواجب وطنيّ أيضاً..ولكنّ حسابات السياسيين الخاصّة والعامّة الضيّقة والشخصيّة، وحسابات الطوائف المتناحرة، وحسابات الزعامات (أنا أ لا أحد) تبقى العامل الثابت قبل، وخلال وبعد الزيارة التي يصفونها بالتاريخيّة، من دون أن تغيّر ولو تفصيلاً واحداً في مشهد التشظّي الحاصل، والذي يُتوقَّع أن يصل بنا إلى نوع من الدمار الشامل، كما هي حال غزّة التي ساندناها..حتّى الموت!
يأتي “بابا”، ويذهب “بابا”، ونحن لا نكفّ عن العبث والإنتحار المجّاني:نعيم قاسم، الذي باسمه هتف الكشّافة وصفّق محمد رعد، لا يزال يصرّ على الإستفراد بقرار السلم والحرب، وإن من باب المباهاة ليس إلّا، بقوله في خطبة الطبطبائي:”سنردّ في الوقت المناسب”..وهذا ما تستفيد منه إسرائيل لمزيد من الضربات الموجعة، ومزيد من الخراب، ومزيد من الموت “السعيد”، فهل يمكن لموت أن يكون سعيداً، يا سماحة الشيخ نعيم!؟
لو قُيّض لقداسة البابا أن يقول ما يفكّر به، لحمل السوط – كما فعل المسيح – ولَطرد الفرّيسيين (وما أكثرهم بين الحاضرين)، ولَصرخ بأعلى صوته:ربّاه، ربّاه، أبعد – عن هذا الوطن الصغير – الكأس المُرّة..والكأس المُرّة، في هذه المناسبة، هي الحرب التي تقرع طبولها من واشنطن إلى تل أبيب..إلى الجنوب والضاحية والبقاع، وربّما كلّ لبنان!
