عامٌ على انتصار “سوريا” .. عامٌ يُغاتَفيه الحق !!

بقلم خالد صالح

لغتنا العربية لغة عظيمة جدّا وفي مفرداتها الكثير من التعابير التي تدلّ على الوقائع، ومن روعتها الفوارق في المعنى بين “سنة” و “عام”، إذ غالبًا ما تُستخدم كلمة “السنة” للإشارة إلى فترة الشدّة والقحط، بينما تُستخدم كلمة “العام” للإشارة إلى فترة الخير والرّخاء والازدهار ..
سوريا اليوم بعد “عامٍ” على رحيل نظام الطاغية، طوت إلى الأبد خمسين “سنة” ونيف من الظلم والفجور، سنوات القحط للنظام الهالك تلاها عامُ الغيث والخير بعد انتصار الثورة، وعادة في قراءة للواقع السياسي يتمّ الاعتماد على مضامين التاريخ الثابتة، فالدول التي شهدت ثورات كبيرة ورحيل أنظمة فاجرة، غالبًا ما تنقاد إلى براثين الفوضى لتنهشها وتمزقها، لكن القيادة السورية الجديدة قدمت العكس ولاتزال .
“الخراب الشامل” على كلّ المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية، واهتراء شامل في كل المؤسسات، هذا ما تركه نظام الأسد البائد، تركَ سوريا من دون أيّ إرثٍ يُمكن التعويل عليه لبناءِ دولة قادرة، هذا الوضع هو ما يُشكّل التحدّي الأكبر أمام القيادة الجديدة، إذ أن المطلوب ليس استبدال نظامٍ بنظامٍ آخر أو ملء الفراغ المخيف الذي خلّفه حكم “آل الأسد”، بل المطلوب هو بناء دولة التي لم تُبنَ من الأساس، دولة فيها من المرتكزات الحديثة ما يضمن استمراريتها بل ويحقق تطورها وازدهارها.
“عامٌ” على سقوط نظام الأسد وانتصار الثورة، “عامٌ” على إندثار “البعث” بما حمله من خراب ودمار لتستعيد سوريا مفاهيم السياسة الغائبة عن المجتمع السوري لعقود، “عامٌ” يمسح “سنوات” من الظلم والديكتاتورية المجرمة وكم الأفواه والزنازين المرعبة التي كانت المآل الطبيعي لأي فكر سياسي يتضمن شيئًا من الأمل، “عامٌ” برز فيه أسئلة جمّة أبرزها: كيف ستعود السياسة إلى المجتمع السوري كي يعود فاعلًا ومنتجًا ومؤسسًا لا متفرجًا فحسب ؟
تجاوزت سوريا خلال عام كل المخاوف من دخولها “مرحلة الانهيار” التي بشّر فيها أركان “المحور” الذي ارتكز عليه نظام الأسد الهالك، بل على العكس بدأت باستعادة الكثير من المفاهيم التي حاربها هذا النظام، كان رهان هذا المحور أن سوريا ستتحول إلى دويلات متناحرة فيما بينها، سينهار ما تبقى بسرعة فائقة، ستدخل مستنقع الفقر والديون والتفتت بلا عودة، لكنّ الإرادة السورية الحرّة أدهشت الجميع وأثبتت أن الإرادة الوطنية الصادقة قادرة على اتخاذ القرارت الجريئة التي تصب في مصلحة البلاد أولًا وأخيرًا ..
إذا أردتَ أن تُدركَ نجاعة هذا الانتصار المبارك للثورة السورية، لا تُراقب ما تفعلُه القيادة الجديدة فحسب، بل راقب ردود الفعل لدى أركان “المحور”، تابع الهجوم اليومي على القيادة السورية من لبنان وصولًا إلى إيران، والفعل العظيم الذي تقوم به هذه القيادة يكمنُ في عدم التلهّي بهذه المهاترات، لأنها تؤمن أن “المتلفت لايصل”، فلم تُعرْ هذه الحملات أيّ اهتمام، بل شرّعت في طرق أبواب العالم عربيًا وإقليميًا ودوليًا لتعيد “سوريا الحرة” إلى الخارطة كقوة مهمة في تحديد معالم المنطقة من جديد، منطقة خالية من “نظام الأسد” الذي كان مستعدًا للمساومة على الأرض والشعب في سبيل البقاء في السلطة .
خلال “عام” واحد تبدّلت الكثير من المشاهد المرتبطة بـ “سوريا”، من العزلة والتقوقع داخل “محور الفقر والإجرام” إلى الانفتاح والوقوف بقوة داخل المعادلة الدولية، من دولة “الطوابير” إلى كرامة الانسان، “عامٌ” واحد بدأ فيه المواطن السوري يلامس حقيقة “المواطن”، وبدأت فيه البلاد تسيرُ بخطىً واثقة نحو استعادة مكانتها، وليس أجمل لتوصيف هذه الحالة سوى ما قاله وزير الثقافة السورية الحالي “محمد ياسين صالح” أثناء تعيينه:
لقد صمنا عن الأفراح دهرًا
وأفطرنا على طبق الكرامة
فسجّل يا تاريخ النصر سجّل
دمشق لنا إلى يوم القيامة ..
عادت دمشق “اقدم عاصمة” في التاريخ لتشكّلَ الركنَ الثابت في المعادلات السياسية العربية والاقليمية والدولية، واستطاع الرئيس “أحمد الشرع” أن يطرقَ أبوابَ عواصم القرار في العالم من واشنطن إلى باريس إلى موسكو، وعلى المستوى العربي من الرياض إلى أبو ظبي والدوحة واستعادت سوريا معه مكانتها في الجامعة العربية، كلّ هذا الأمور شكّلت تحوّلًا جذريًا في النظرة نحو “دمشق”، وتسعى القيادة الجديدة إلى تمتين الصفّ الداخلي، فتعاملت بحكمة بالغة الوطنية مع أحداث الساحل والسويداء وقسد، وبدأت معالم التماسك الداخلي تظهر شيئًا فشيئًا ..
أدركت القيادة الجديدة أن الأحمال ثقيلة جدًا، وأن بناء الدولة يتطلّب نفسًا طويلًا في التعامل مع الملفّات الشائكة التي خلّفها “النظام البائد”، فتبنّت سياسة تصفير المشاكل لأنها تضمن لسوريا الجديدة مصالحها بعيدًا المواقف الحادة وتكرّس وجود سوريا كلاعب عربي وإقليمي كبير، خصوصًا في كيفية التعامل مع الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة في جنوب سوريا، وقد أظهرت هذه القيادة حكمة متوازنة إظاء هذه الاعتداءات، الأمر الذي جنّبها أي مواجهة واسعة أو شاملة، في وقتٍ تبحثُ فيه عن ركائز الاستقرار بهدف البدءِ بإعادةِ الاعمار وعودة اللاجئين في مشارق الأرض ومغاربها، وهي بهذا وضعت مصلحة البلاد الكبرى فوق أيّ اعتبارات عاطفية أو ردود فعل متسرّعة قد تقوّض كل شيء .
سوريا اليوم وبعد “عامٍ” بدأت برسم سياستها وتبتكر أدواتها وتنظم مؤسساتها، وبدأت بتحويل “السياسة” من خطر مميت على ممارسها، إلى أفق واسع تحتاجه للمرحلة المقبلة، سوريا بدأت تستعيد مفهوم “الوطن” لكل أبنائه وليس حكرًا على هذا أو ذاك، لتؤكد أن “دمشق” هي لكل السوريين ولكل العرب إلى “يوم القيامة” ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top