الصحافة و “الذكاء الاصطناعي” .. البحث عن الشعوبية!!

بقلم خالد صالح

الشعبوية .. وما أدراك ما الشعبوية !!
هي السلاح الأكثر فتكًا بالمجتمعات للإطاحة بقيمها الروحية والأخلاقية ومشاريعها السياسية والاقتصادية والتعليمية، الشعبوية التي نعيشها منذ عقدين جعلت من هذه البلاد كومة من الرّماد وبقايا من الفضلات، وأفرزت عددًا لا بأس به من أسماءٍ تعتقد نفسها أنها باتت على علمٍ بكلّ شيء، يتحدثون في أيّ شيءٍ وكلّ شيء، وكأن مفاتيحَ الغيب صارت بين أيديهم.
لا يغرّنكم المثقف .. لبنانيًا كان أم عربيا، خصوصًا مع طفرة “الذكاء الاصطناعي”، فهو إما وصولي يبحثُ عن مكسب هنا ومغنمة هناك .. أو أنّه يُخفي الخرافة والسطحية واللامعقول تحت لغته البراقة وبذته اللامعة وربطة عنقه الأنيقة التي تتناسبُ مع الموقع والمقام، إيّاكم وهذه الخُدعة، لكن – وهذا مؤسف – ستنطلي علينا جميعًا عندما تظهرُ الحقيقة في مكان ما وهي مغايرة لما “تبجّح” به هذا المثقف على المنابر الاعلامية، فيظهر بوضوح كم هو من أصحاب الوجوه المتعددة.
أحيانًا .. وأنا أسمعُ “بودكاست” لأحدهم أو إحداهن، أو أقرأُ تحليلًا ما لبعض المتطفلين على الصحافة الذين غرّتهم “البروباغندا” حتى ثملوا منها، وركبوا موجة “الترند” وهم بالكاد يعرفون أصول السباحة، افتقد ذلك الزمان الذي قدّم لنا “نوابغ” في المجال الاعلامي والصحافي والتحليل السياسي المبني على وقائع دامغة، وتحديدًا عن المشاكل العميقة التي يمرّ فيها لبنان على مختلف الصعد، فأجد نفسي أمام حفنة من “نسوان التنور” يتحدّثون كيف تشتعلُ المعارك بين الأخوة أو الجيران أو السياسيين أو القبائل أو حتى بين العاهرات والقوادين.
عن نفسي أشعر بأمرين لا ثالث لهما: إما ما يُنقل لنا وما يُكتب وما نسمعه أو نقرأه كذب وتدليس وتزوير وليس حقيقيًا أبدًا، وهي مجرّد تمنيّات أو “تجميع” لبعض العناوين التي ترد في “الخبر العاجل”، وإمّا بلغنا الدرك الأسفل وأصبحنا قاب قوسين أو أدني من خسارة آخر صفة لنا في لبنان “صحافة الشرق”، فقد صرنا في مكان لم نعد فيه الأبناء الشرعيين لذاك الجيل الذي وضع الأسس المتينة لهذه الرسالة، أولئك الناس الذين صاروا مجرد خاطرة ودمعة وحسرة في صفحة تاريخنا وقلوبنا المتعبة.
اعتذرُ من أسلافي .. لقد تسلّقنا جبلَ السوءِ وتربّعنا على قمّته المخيفة، اعتذرُ من ذلك الرعيل الذي كان يقرأ ما كتب عشرات المرات كي يتأكد من خلو نصّه من أخطاءٍ لغوية قبل أن يبلغ منتهاه في أيدي الناس، اعتذرُ من تلك النخب الخالدة في ضمائرنا لأننا اتخذنا من صفحات “التواصل الاجتماعي” منابر للغو والحشو والتمظهر المقيت على قاعدة الراحل “زياد الرحباني” بقوله “شوفيني يا منيرة”، اعتذر منهم لأن الكتابة صارت من مشتقّات “الشات جي بي تي”، اعتذر لأنني فقط أحاول أن أحمي رأسي من الانفجار وقلبي من التوقف .
القراءة الأولى – أيّ قراءة كانت – تعطيكَ الانطباع، والقراءة الثانية تهبكَ التصوّر، أما القراءة الثالثة فهي تمنحكَ العالم وتجعلكَ مشاركًا في الكتابة حتى يشتد رأيكَ وتنمو بعمق وجهة نظركَ.. فأين نحن اليوم أمام ما نشهده من موبقات إعلامية من هذه القراءات؟، وهل كلّ من “ركّب جملتين على بعض” صار كاتبًا أو محللًا استراتيجيًا أو يعلمُ ما لايعلمه غيره؟.
“العالمُ الرقمي” اليوم اختصر هذه المسافة مختزلًا الأبعاد، سحقَ تحت سرعته التأمّلَ وداسَ بأقدام المغترّين به الرأي، فنحن على عجالة لنقول آراءنا، لنكتب ونعلّق ونسارع إلى المديح أو الشتم، لننصب المقاصل ونجلد أعراضنا وأعراض القاطنين على الكرة الأرضية، لنقتل ونذبح ونرقص وندبك فوق الجثث، كل هذا نفعله في دقائق لأننا على عجالة لأن الفعل يجب أن يرد عليه بسرعة وإلا سنخسر السبق الذي افترضناه، لكننا خسرنا التأني الذي يمنحنا صفة الإنسان، فقدناها إلى الأبد، ربحت جولة السرعة ورأي المحللين ونصوص الشعراء المداحين وألفاظ الشاتمين ومعارك التافهين، ربح الجميع ماعدا القراءة الثانية والثالثة، نحن عالقون في الإنطباع، متشبثون بالوهم، بالخدعة التي نعتقد بأنها الحقيقة، وبأننا أول من أشار إليها وقبض على جمرتها.. واكتوى – زيفًا – بلهيبها .. طوبى لنا من فقاعة كبيرة ملفقة، مع أول دبوس، أو شوكة وردة، سننفجر ونملأ الدنيا باللاشيء الذي يشبهنا.
في لبنان دائمًا – كما أخبرنا التاريخ – هناك مشكلة، ودائمًا هذه المشكلة غير متفق عليها، من خلال هذا الشيء العابر في حياتنا بإمكانك معرفة الناس؛ توجهاتهم، المخزون الفكري في عقولهم، شرف الخصومة، سعة صدورهم، والأهم من هذا كله تربيتهم، فاذا وجدت من “يتفاخر” بمعلوماته ويقول بلا أي خجل “حسب معلوماتي” أو “وفقًا لما أعرفه” أو “من خلال اطلاعي الواسع” أو “أخبرني مصدر موثوق”، تأكد أن هذه العبارات، هي من باب “علم النفس” مفاتيح للسيطرة على مجرى الحديث أو الحوار، لذلك أدر ظهرك له ولحديثه ولحواره، وإذا كانت معرفتك به افتراضية قم بإلغاء صداقته فقط من دون “الحظر” ..
أما إذا صادفك حديث أو منشور يمسّك كإنسان، يسيء لك كبشر وكيان، يطعن بوجودك، يسترخص دمك ووطنك وبني جنسك، ثم وجدتَ أحد – الرّبع – الأحبة وهو يخوضُ مع الخائضين، فقم بتفعيل ذات الخاصية أعلاه، فلا تناقش من دون جدوى، لا تحاول لفت الأنظار فالأمر محفوف بالمخاطر، لا تعلّق على موضوع مختلف عليه، لا تعلّق على موضوع مختلف عليه، لا تعلق على موضوع مختلف عليه، عذرا سقط التكرار سهوا .. ماذا كنا نقول؛.. نعم لا تحظر أحد، لا تحوّل التافهين إلى أعداء، ولا تمنح الجبناء فرصة نهشك من الخلف .. بل اجعلهم أمامك وابتسم ..
ومن أجل “الشعبوية” أعلاه التي أرهقتنا كثيرًا، وفي سبيل المحاولة لتنقية نظري وسمعي وبالتالي عقلي وتفكيري، بدأت بالتركيز على “النخبة الصادقة” التي تحترم نفسها ومقامها، وبدأت بحذف البعض (على قلتهم) فأنا أحبهم واحترمهم، لكنهم وهذا مؤسف، لا يحبون ولا يحترمون الناس ولا أنفسهم، حزين لأجلهم وعليهم، حزين أن يصل الإنسان لهذه المرحلة من الإنحدار والبحث عمن يطبطب على كتفه قائلًا له: “برافو” لقد أحسنت !!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top