لا تصدّقوهم .. يعرفون أنهم يكذبون علينا !!

بقلم خالد صالح

لا تصدّقوهم .. فكلامهم كذبٌ ووعودهم هباء .. لأن السياسة هي المهنة الوحيدة التي تتيحُ للمرء أن يكذبَ ويسرقَ ويغشَّ ومع ذلك يحظى بالاحترام، وحين تُصبحُ السياسة ملجأ للكذب، يفقدُ الناس احترام الحقيقة تمامًا ..
عندما سُئلَ الكاتبُ الروسي “أنطون تشيخوف” عن طبيعة المجتمعات الفاشلة، أجاب:
في المجتمعات الفاشلة، يوجدُ ألف أحمق مقابل كلّ عقل راجح، وألفُ كلمةٍ خرقاء إزاء كل كلمة واعية، تظل الغالبية بلهاء، وتغلبُ العاقلة دائمًا، فإذا رأيت الموضوعات التافهة تتصدر النقاشات، والتافهين يتصدرون المشهد، فأنت أمام مجتمع شديد الفشل.
خذ مثالًا على ذلك: الأغاني والكلمات التي لا معنى لها، تجد ملايين الناس يرقصون ويرددونها، ويصبح صاحبها مشهورًا ومحبوبًا، بل ويُستشار في شؤون المجتمع والحياة، أما الكتاب والمفكرون، فلا أحد يعرفهم أو يعطيهم قدرهم. فالغالبية تنجذب إلى التفاهة والتخدير؛ شخص يلهينا ليُغيّب عقولنا، أو يضحكنا بالتفاهات، أقرب إلى قلوب الناس من شخص يوقظهم بالحق ويواجههم بمرارة الواقع.
ولهذا السبب، فإن الديمقراطية لا تصلح للمجتمعات الجاهلة، لأن الأغلبية الجاهلة هي التي ستقرر مصير الجميع.
اليوم وإزاء ما نشهده من كباش سياسي حول الانتخابات النيابية المقبلة، تحضرُ في أذهاننا جميعًا الصورة النمطية عن السياسيين المراوغين والمحتالين، وكيف استطاعوا خداع الشعب لعقود من الزمن، عن طريق حياكة الأكاذيب وذر الرماد في العيون، ومزاعمهم التي تدعي المثالية، لكنها في حقيقة الأمر مجرد أقنعة مزيفة، ثم يكتشف الشعب المغلوب على أمره فجأة! أنه كان فريسة لسياسيين مصابين بـ “متلازمة المحتال”، وبعد فوات الأوان.
متلازمة “الانتخابات في موعدها” التي تجري على ألسنة السياسيين في لبنان، تُعتبر مادة دسمة لإلهاء الناس عن الكثير من القضايا المصيرية التي تعنيهم مباشرة، بينما في الحقيقة، الجميع من دون استثناء متفقون على تأجيلها، ليس تقنيًا كما يدعون بل أكثر من ذلك، لأنهم كلّهم يُدركون أن أكاذيبهم ستنطلي على الناس كما في الكثير من المرّات، وسيمر “التأجيل” بسلاسة من دون أي إشكالات و “كفى المؤمنين شر القتال” .
الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة، لا يعتبر ضحية بل شريكًا في الجريمة، حيث يستغلون الفئة الفقيرة من أجل كراسي في البرلمان، ونصفهم جاهل لا يستطيع حتى أن يقول جملة مفيدة، لو كنا في دولة تحترم القانون والخطاب الذي تتكلم عنه لحسمت العدالة كلمتها في حق هده المخلوقات غير المقيمة لأبناء شعبها أي اعتبار، وتحتقرهم بشتى الصفات غير الأخلاقية والمحاسبة غائبة والتسيب سيد الزمان.
لا تصدقوهم .. خصوصًا تلك الفئة التي تدّعي الحرص على الاستحقاق وعلى مواعيده الدستورية وعلى أحقية اللبناني المغترب بالاقتراع للـ 128 في الداخل، فهم يأتون في المقام الأول للذين يطلبون “التأجيل” لغايات في نفس “يعقوبهم”، فالكذب لديهم في أروقة السياسة لا يشكّل أمرًا جديدا منذ جملة ميكافيلي الشهيرة في كتابه (الأمير) حين قال: “أكذب، أكذب حتى يصدقك الناس”، فهم يحترفونه بامتياز، يكذبون من دون أن يهتز لهم جفن، وهنا يستحضرني مداخلة النائب سليم سعادة في الـ 2019 عندما قال “هم يعرفون أننا نكذب عليهم، ونحن نعرف بأنهم يعرفون أننا نكذب عليهم”، لذلك لامشكلة من الأساس، فلنقم بالخطوة ونؤجل الانتخابات و “يا دار ما دخلك شر”
للكذب التكتيكي والمتعمد تاريخ طويل في عالم السياسة، ومعظم المجتمعات المتقدمة، التي حققت نجاحات على مختلف الأصعدة، وتتفاعل شعوبها مع بعضها بطرق تتصف بالمتحضرة، هي في الحقيقة مجتمعات قائمة على سياسة الأكاذيب، لكن المعضلة الكبيرة هي في هذا الشعب “المضحوك عليه” الذي لايزال يصدّقهم ويصدّق حرصهم على بناء الدولة وقيام المؤسسات ..
الخطاب السياسي الذي نشهده في لبنان ليس الغرض منه انتقاد منظومة أو حكومة معينة فهذه من “عدة الشغل”، فهذا الخطاب هو عبارة عن “سلاح سام” يتمّ به استمالة الشعب المستضعف ومحاولة تزيين الكلام وتنميقه كي يلبي رغباتهم، فنجد أحدهم يتحدث باسم الدين كي يوهم الناس بأنه هو المخلّص، وأحيانًا نراه يتحدث عن الحرية المطلقة والسيادة الناجزة وكأنها الحل لما يقع في المنطقة، فهذه العناوين أصبحت تجارة مربحة وتحقق الغايات المرجوة منها.
كلهم سواسية متفقون على “الكذب” علينا، لكنهم يبحثون عن الصورة التي يريدون الظهور بها أمام جمهورهم، صورة “القائد الفذ” التي تضمن موقعه السياسي للحفاظ على الهالة التي بلغها لتثبيتها أكثر، كلهم يكذبون من دون أي خجل، ولكل منهم حساباته الخاصة التي يرى أن التأجيل سيرفع من حظوظه في تحقيق مبتغاه، كلهم يراوغون كـ “الثعالب” وبدلا من أن يتوحدوا لدحض الخرافات والأكاذيب، يتخذون مواقف عدائية ضد بعضهم البعض، كلهم كاذبون ويتنافسون في ابتكار أنواع جديدة من الكذب وكأنهم في “مباراة” للكفاءة في الكذب، كلهم كاذبون ومتفقون فيما بينهم على متابعة خداعنا .
ذات يوم التقى الكاتب الإيرلندي الساخر “جورج برنارد شو” بإحدى الجميلات، فقال لها “ما رأيك أن تأخذي مليون جنيه وتقضي ليلة في سريري”، ابتسمت الجميلة على حياء وابدت موافقتها، ثم قال لها “ما رأيك أن نخفّض الأجر إلى عشرين جنيهًا”، هنا انتفضت الجميلة وصاحت في وجهه “يا هذا من تعتقدني”، قال “برنارد شو”: “لقد عرفت من تكونين لكننا اختلفنا على السعر”، لقد عرفنا هويتهم وعرفنا أسعارهم ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top