بقلم جوزاف وهبه

لا يكفّ اللبناني عن اختراع “الكذبة”، من “راجح” الأخوين رحباني..إلى “أبو عمر” وصحبه من السياسيّين ورجال الدين والطامحين.تارةً ندّعي أنّها الأصول الفينيقيّة تغذّينا بكلّ هذه المواهب الفائضة، وطوراً نقول أنّ قدراتنا الفائقة تعود إلى الجينات الفارسيّة، وثمّة مَن يصل به النبوغ إلى السليقة البدويّة التي تخلط الدين بالجاهليّة والسياسة.
ليس بالجديد ما رأيناه ونراه.هي لعبة قائمة منذ تأسيس لبنان الكبير، وربّما قبل ذلك بكثير.مع المفوّضين السامين، كنّا نمارس التقيّة والخديعة والتزلّف ببراعة منقطعة النظير.تارةً ننجح مع الفرنسي فنقتطع هذه الولاية أو تلك، وتارةً ندفع الثمن غالياً مع العثماني أو الإنكليزي، فنصنّف ذلك تحت باب “الشهادة أو الإرتقاء أو السعادة”.تتعدّد التسميات، والموت المجّاني واحد..ويكاد يمكن القول أنّنا قد بلغنا الذروة مع السوري (أبو يعرب ورستم غزالي وعلي دوبا وخدّام والبوريفاج والأميركان وعنجر..ومعظمهم قد قُتل على يد النظام نفسه، ألا تأكل الثورات أبناءها، كما يُقال؟)، ولكنّنا عدنا في الزمن الحالي، فتفوّقنا على أنفسنا، بصيغة نادرة مسلّية من سلسلة “أبو عمر وصحبه”، واللافت في هذه السلسلة المحدّثة أنّ معظم الأبطال يتنكّرون من أدوارهم، تماماً كما كرّت سلسلة التنكّر لمحور الممانعة بعد سقوط النظام في دمشق، وسقوط الدويلة في لبنان:لا “جبران” إرتبط بمصير الأمين العام حسن نصرالله، ولا “فرنجيّة” حفظ الودّ الذي لا ينقطع مع عائلة الأسد!
الجميع في ما هم فاعلون واحد:في المساء نرفع راية نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، وصباحاً نرفع القبّعة تحيّة لنوّاف سلام.لا شيء يردعنا عن التقلّب البهلواني.لا أحد يحاسبنا، وبالتالي لا أحد منّا يعتذر، أو يقدّم مبرّرات لما جرى ويجري.الجميع سواسيّة في البحث عن “أبو عمر”، رمز السياسة اللبنانيّة الشهباء التي تدور في حفرة لا نستطيع الخروج منها، أو لا أحد يريد هذا الخروج.الصورة قاتمة سوداء بأربع ساعات تغذية كهرباء، أو ب 24 ساعة.ثمّة عطب عميق أصابنا بلا خلاص ظاهر في الأفق القريب..
مع “الأميركي” (ولو على شاكلة غرابة ترامب وجنونه..) نحاول أن نستعمل وسائلنا البدائيّة:شراء الوقت..واللعب على أوهام التناقضات بين المبعوث اللبناني الأصل توماس برّاك، والموفدة الجميلة مورغان أورتاغوس، والسفير الذي تخلّى عن جنسيّته ميشال عيسى، غافلين (أو متجاهلين) عن أنّ الدول العظمى لا تبني سياساتها على “قيل وقال”، أو على أهواء شخصيّة قد يكون لها حيّز في تحديد المواقف، ولكنّه حيّز محدود في الزمان والمكان، دون أدنى شكّ.حتّى حزب الله، الذي يشيطن أميركا ويتّهمها بالخضوع لإرادة إسرائيل، لم يبتعد عن لعبة التفضيل ما بين “زمن” المبعوث الديمقراطي السابق آموس هوكشتاين و”زمن” المبعوثين الجمهوريّين الحاليّين، علماً بأنّهم (أي حزب الله) قد تنازلوا تحت عنوان “ترسيم الحدود البحريّة” عن حقل نفط وغاز كاريش، وما حظيوا بأكثر من إبتسامة (آموس ) مفترضين أنّها اختراق للحالة الأميركيّة، وهي في واقع الحال “هديّة بلا مقابل” للعدوّ الإسرائيلي، ليس إلّا!
وفي “الزمن السعودي – الخليجي” الراهن، إذا صحّ التعبير، نلجأ إلى القفز السريع على وتر السعوديّة – الإمارات، كما فعل وليد جنبلاط في تغريدة صباحيّة، عاد وحذفها في فترة ما بعد الظهر..أو نحاول أن نفترض الإستثمار الذكي (الطبيعي لا الإصطناعي) في “مثلّث” السفير السعودي وليد البخاري – المبعوث الرسمي الأمير يزيد بن فرحان – الديوان الملكي، فإذا بنا نسقط في “فخّ” أبو عمر، ما بين عمامة توفّر الغطاء اللازم للكسب السريع (“حلال” في رأي البعض كونه من جيوب سياسيّين، و”حرام” في رأي البعض الآخر كونه خديعة واحتيال)، وبين “صوت خليجي” يُتقن اللعب على الطموحات الشخصيّة (هذا مقعد نيابي وثير، وذاك قصر حكومي فاخر، وثالث حكم نظيف ببراءة في قضيّة هدر أموال عامّة..ورابع وخامس، إلى ما لا نهاية!)!
“أبو عمر” ليس البداية في الحياة السياسيّة اللبنانيّة الهشّة، ولن يكون بالتأكيد النهاية.هو مجرّد محطّة تسلّينا عن همومنا الكبيرة (وليس أقلّها الفجوة الماليّة..والحرب الإسرائيليّة المؤجّلة).هو قصّة مثلها مثل قصص الصيّاد “جدّي بو ديب” في أغنية فيروز – نصري شمس الدين “آه يا جدّي، شو حلو الصيد.الصيد بيسلّينا، بيحلّي ليالينا..”:أوليس هذا ما يفعله “صيّاد السياسيّين” المدعو “أبو عمر”!!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top