لبنان و«النقطة الزرقاء»: هل يتحول من “مدارات التيه” إلى “مختبر للقيامة” في عام 2026؟

بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز

​«تأمل تلك النقطة مجدداً.. ذلك هو وطننا، ذلك هو نحن. إنها تجسد مسؤوليتنا في ترسيخ قيم التراحم واللطف في تعاملنا، وفي صون تلك النقطة الزرقاء الباهتة وتقديرها؛ فهي الملاذ الوحيد الذي عرفناه والموطن الذي لا بديل لنا عنه».
— كارل ساغان، «نقطة زرقاء باهتة»

​في اللحظة التي تشرئبُّ فيها أعناق العالم نحو عقارب الساعة وهي تطوي صفحة عامٍ من التحولات الكونية الكبرى، يجد لبنان نفسه وجهاً لوجه أمام مرآة الزمن الصارمة. لا يقف وطننا هنا كمجرد شاهدٍ صامت على هامش الجغرافيا، بل ككيانٍ حي في قلب صيرورة التاريخ، وإن أثقلت خطاه جراحُ الانكسارات المتتالية.
​إن العبور نحو العام الجديد، في السياق اللبناني الراهن، يتجاوز كونه مجرد طقسٍ تقويمي أو طيٍّ لآخر أوراق الروزنامة؛ إنه استحقاق وجودي بامتياز. استحقاق يضعنا أمام سؤال المصير: هل نقتحمُ عتبة الغد كبُناةٍ لمستقبلٍ نملكه، أم ننساقُ إليها كرهائن لماضٍ استعصى علينا فكُّ شفراته أو التحرر من قيده الثقيل؟ إنها لحظة الفصل بين “زمن الانتظار” القاتل، و”زمن الفعل” الذي يعيد صياغة الهوية والوطن في آنٍ واحد.

«تأثير النظرة الشاملة»: نحو يقظة بنيوية

​حين صاغ الفلكي كارل ساغان تأملاته حول الأرض كذرة غبارٍ سابحة في سديم شعاع شمسي، لم يكن يصفُ مشهداً فيزيائياً فحسب، بل كان يستحثُّ فينا ما يختبره رواد الفضاء ويسمونه «تأثير النظرة الشاملة» (Overview Effect). إنه ذلك التحول المعرفي والوجداني الجذري الذي يدرك فيه المرء، من علٍ، أن الأرض كائنٌ حيٌّ واحد، متناهٍ في الرقة والهشاشة، يلتفُّ بغلافٍ رقيق يحميه من وحشة الفضاء، بلا حدودٍ مصطنعة أو خطوطٍ وهمية رسمتها الصراعات.
​هذه الرؤية الكونية هي، في جوهرها، ما يحتاجه لبنان اليوم كـ «ضرورة سياسية وجدانية». فنحن لسنا بحاجة لارتياد المدارات لندرك وحدة المصير، بل نحتاج إلى «يقظة بنيوية» تتجاوز الانقسامات التقليدية، وتُعيد تذكيرنا بأن السفينة التي تتقاذفها أمواج الأزمات العاتية لا تملك رفاهية الانقسام حول «هوية الثقب» الذي يبتلعها؛ فالموت غرقاً لا يميز بين الركاب.
​إن رؤية لبنان من «أعلى» أي من منظار المصلحة الوطنية العليا تكشف لنا عبثية الخنادق التي نحفرها في «الأسفل». إنها دعوة للتحرر من ضيق الرؤية نحو سعة البصيرة، حيث تغدو الخلافات الفئوية تفاصيلَ مجهرية لا تُرى أمام هول التحدي الوجودي الذي يتهدد الكيان بأسره.

أولاً: في تحطيم «الزمن الدائري» ونبذ لعنة سيزيف

​يعيش لبنان اليوم ما يمكن تسميته بـ «الزمن الدائري»؛ تلك الدوامة التراجيدية التي لا تنفكُّ تعيد إنتاج الأزمات بذات الشخوص، والأدوات، والذهنيات، وكأننا محكومون بـ «لعنة التكرار» التي تجعل من تاريخنا صدىً مستمراً لخيباتنا الماضية. هذا الدوران العقيم يحجزنا خلف قضبان “اللحظة الراهنة”، ويمنعنا من الانتقال إلى «الزمن الخطي» التصاعدي؛ زمن التراكم الحضاري، والنمو المؤسسي، والسيادة المستقرة.
​إن استحضار «تأثير النظرة الشاملة» يفرض علينا، قسراً، رؤية لبنان ككيان جيوسياسي عضوي موحد، لا كمجرد مساحة لدوائر طائفية متقاطعة المصالح. إن العبور الحقيقي نحو العام الجديد يقتضي، أول ما يقتضي، كسر «مفارقة سيزيف» السياسية اللبنانية؛ تلك التي تُهدر فيها الإرادة الوطنية في دفع صخرة الانهيار نحو قمةٍ واهمة، لتسقط مجدداً بفعل غياب «العقد الاجتماعي» الصلب العابر للاصطفافات.
​لقد آن الأوان لنتوقف عن استنزاف ذواتنا في دفع الصخرة إلى الهاوية، ونبدأ في صياغة منطق جديد: الانتقال من “دوران الصخرة” إلى “بناء الجبل”؛ أي تشييد الدولة التي لا تهتز ركائزها مع كل تبدل في أوراق الروزنامة أو تغير في اتجاهات الرياح الإقليمية.

ثانياً: من ضيق الاقتصاد السياسي إلى رحابة «الأمن الحيوي»

​تُعلمنا الرؤية الكونية العميقة أن الأنظمة الاقتصادية ليست جزراً معزولة أو أرقاماً صماء في دفاتر الحساب، بل هي أنظمة فرعية مستقاة من مجتمع إنساني، وهذا المجتمع بدوره ليس سوى جزء من نظام حيوي (Biosphere) أشمل وأعقد. في لبنان، عُكست هذه المعادلة الفطرية قسراً؛ إذ طغت حسابات «المحاصصة الفئوية» على مقتضيات الاستقرار البنيوي، وأُهملت البيئة الحاضنة للحياة من موارد وطاقات وكفاءات لصالح صفقات “اللحظة العابرة”.
​إن «السيادة الحيوية» هي العنوان الحتمي للمرحلة المقبلة. فلا يمكن اجتراح اقتصاد مستدام على قاعدة «المسكنات» السياسية أو الرهانات الخارجية، بينما تتداعى الركائز الخدمية والاجتماعية التي تُشكل عصب البقاء. إن الإنقاذ الحقيقي لا يبدأ من طاولات المفاوضات فحسب، بل من الإدراك الجماعي الصادم بأن التناحر على تقاسم «الحطام» ليس فعلاً سياسياً ولا شطارةً تفاوضية، بل هو انتحارٌ جماعي يفتقر لأدنى مستويات الحس الاستراتيجي.
​السيادة اليوم لا تُقاس فقط بالحدود الجغرافية، بل بقدرة الدولة على حماية “شروط الحياة” لمواطنيها فوق تلك النقطة الزرقاء التي تُسمى لبنان.

ثالثاً: الثقافة بوصفها فعلاً للمقاومة الوجودية

​تبدو بيروت، وهي تقف على عتبة العام الجديد، وكأنها «معجزة سوسيولوجية» عصيّة على الانكسار؛ ثمة إصرار مدهش على «صناعة الحياة» يتبدى في نبض شوارعها رغم تراكم الركام. إن هذا العنفوان ليس ترفاً ثقافياً أو قشوراً حضارية، بل هو «مقاومة وجودية» صلبة ترفض الاستسلام لمنطق التحلل والهزيمة النفسية. هذه الحيوية الكامنة هي، في حقيقتها، «المادة اللاصقة» التي تمنع تلاشي فكرة الدولة في الوجدان العام، حتى في ظل غياب أجهزتها.
​إن التحدي الجوهري في العام الجديد يكمن في كيفية تحويل هذه «الطاقة الفردية للنجاة» —التي أثبت اللبنانيون براعتهم فيها— إلى «إرادة جماعية للبناء المؤسسي». لم يعد كافياً أن تظل الثقافة في دور «التعزي» بأمجاد الماضي أو الرثاء الجمالي للواقع؛ بل يجب أن تتحول إلى الجسر المعرفي الذي نعبر من خلاله نحو دولة قوية تحتضن هذا الإبداع، وتؤطره في سياق سيادي يحمي الإنسان والمنتج الثقافي على حد سواء. إنها اللحظة التي يجب أن يتحول فيها “الفن من أجل الحياة” إلى “الثقافة من أجل الدولة”.

رابعاً: نحو «نحن» عابرة للخنادق والحدود الضيقة

​عندما تدقُّ الساعةُ معلنةً بزوغ فجر عامٍ جديد، يجب ألا تسقط أوراق العام القديم وحدها، بل لا بد أن تسقط معها ثقافة «المراهنة على الصدف» واستجداء «التسويات الكبرى» التي لطالما رهنت قرارنا الوطني للخارج. إن التحديات الكونية الكبرى، بدءاً من المناخ المتطرف وصولاً إلى ثورات التحول الرقمي، لا تحترم الخصوصيات الفئوية، ولا تنتظر نضوج الصفقات الإقليمية في الغرف المغلقة؛ فهي عواصف عابرة للحدود، تضرب الجميع بلا استثناء.
​إن بناء الـ «نحن» الجامعة هو، في جوهره، القانون الأعلى للبقاء. تلك الـ «نحن» التي تدرك، بمنطق ساغان الصارم، أن الشريك في الوطن هو شريكٌ وجودي في «استهلاك الأوكسجين» وفي «مواجهة الإعصار». المواطنة الحقيقية في العام الجديد لا يجوز أن تبقى مجرد حبرٍ بارد على وثائق الدستور، بل يجب أن ترتقي لتصبح «وعياً كونياً» بمصير مشترك تحت سقف واحد. ففي تلك النقطة الزرقاء الباهتة، لا توجد قوارب نجاة طائفية؛ إما أن ننجو معاً كمواطنين، أو نغرق معاً كرعايا بانتظار معجزة لن تأتي.

نحو بزوغ فجر المواطنة الشاملة

​إن لبنان، حين ننظر إليه من منظور تلك «النظرة الكونية» الشاملة، يتوقف عن كونه مجرد بقعة جغرافية مضطربة على خارطة الأزمات، ليصبح مختبراً إنسانياً فريداً لاختبار قدرة البشر على التسامي فوق النزعات الضيقة. إن العبور الحقيقي نحو المستقبل لا يتحقق بمرور الأيام، بل بمغادرة خنادق «الأنا» الفئوية والارتقاء إلى مدار «المواطنة السيادية»؛ حيث الفرد هو الوحدة الأساسية في بناء الدولة، والانتماء للوطن هو الغلاف الذي يحمي الجميع.
​ومع بزوغ فجر العام الجديد، يبقى اليقين الماثل أمامنا: أن الأرض، في صمتها الكوني، لا تعترف بالخرائط المصطنعة ولا بالهويات المجتزأة، والتاريخ بدوره لا يحمي الذين عجزوا عن قراءة إشارات التحول الكبير، وظلوا غارقين في وحل الانتظار على رصيف الزمن. لقد حان الوقت لننظر إلى الأعلى، إلى تلك النقطة الزرقاء التي تجمعنا، لنستمد منها شجاعة البناء قبل أن يطوينا النسيان.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top