
بقلم ندى جوني
تشهد إيران منذ أسبوع تقريبًا موجة احتجاجات جديدة على خلفية التدهور الحاد في الأوضاع الإقتصادية وارتفاع الأسعار، والتي زادت من حدّة الضغوطات المعيشية على المواطنين. و تأتي هذه التحركات في وقت تمر فيه المنطقة بتحوّلات سياسية وأمنية كبيرة، فيما يواصل النظام الإيراني سياساته الإقليمية، سواء عبر دعم حلفائه أو السعي إلى الحفاظ على نفوذه خارج حدوده، رغم الأزمة الداخلية المتفاقمة. كذلك، تزداد حساسية هذه الإحتجاجات مع لجوء السلطات إلى قمعها واعتقال المئات من المشاركين فيها، إضافة إلى سقوط ضحايا، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة النظام على احتواء الغضب الشعبي في حال استمراره أو توسّعه.
كما يفتح هذا المشهد الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل الاستقرار الداخلي، وإمكانية أن تؤدي هذه التحركات إلى تغييرات جذرية في بنية النظام الإيراني.
” ديمقراطيا نيوز ” أجرت لقاءًا مع الصحافي علي الأمين للوقوف على أسباب الإحتجاجات الحالية، وقراءة كيفية تعامل النظام الإيراني معها، واستشراف انعكاساتها المحتملة على الداخل الإيراني وعلى موقع طهران في المعادلة الإقليمية والدولية خلال المرحلة المقبلة.
الأمين: تراجع النفوذ الإقليمي يضع النظام الإيراني أمام اختبار داخلي صعب
تشير التحركات الإحتجاجية التي تشهدها إيران اليوم إلى عودة أزمة بنيوية لم تُحلّ منذ سنوات، وإنْ كانت هذه الاحتجاجات لا تزال، وفق توصيف الصحافي علي الأمين، في بداياتها. فالنظام الإيراني اعتاد منذ عام 2009 على موجات احتجاج متكررة، استطاع في كل مرة احتواءها أو تفكيكها، إما عبر القمع أو عبر توظيف عوامل خارجية سمحت له بامتصاص الغضب الداخلي. إلا أن ما يميّز اللحظة الراهنة هو السياق السياسي والإقليمي الذي تأتي فيه هذه التحركات، وهو سياق مختلف جذريًا عن المراحل السابقة.
يذكر الأمين بأنه أول ما يلفت في المشهد الحالي هو أن إيران تعيش حالة انكفاء إقليمي واضح. فالتراجع لا يقتصر على ملف واحد، بل يشمل مجمل البيئة الاستراتيجية التي كانت تمنح النظام هامشًا للمناورة. بدءًا من التحوّلات التي أصابت سوريا بعد سقوط نظام الأسد، مرورًا بتداعيات العملية العسكرية الأخيرة التي شنتها إسرائيل على “حزب الله” في لبنان، و ما أفرزته من إضعاف لدوره الردعي، وصولاً إلى الواقع الفلسطيني بعد حرب غزة، إضافة إلى الوضع العراقي الذي يقف على عتبة تغييرات سياسية وأمنية حساسة.
ضمن الإطار نفسه، يشير الأمين إلى أن كل هذه العوامل تضعف السردية التي لطالما اعتمد عليها النظام الإيراني في مخاطبة الداخل، والتي تقوم على فكرة التمدد الإقليمي بوصفه إنجازًا وطنيًا يعوّض الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية.
في هذا السياق، يكتسب العامل النفسي والسياسي للاحتجاجات الحالية أهمية مضاعفة. فالنظام الإيراني كان يقول لمجتمعه، في كل مرة يخرج فيها الشارع محتجًا على الغلاء أو البطالة أو تدهور العملة، إن إيران قوة إقليمية صاعدة وصلت إلى حدود إسرائيل، وإن هذا الدور الخارجي يبرر التضحيات الداخلية. اليوم، ومع تآكل هذا الدور وتراجع فعاليته، لم يعد هذا الخطاب قادرًا على امتصاص الغضب، بل بات جزءًا من الأزمة نفسها.
العامل الثاني الأكثر خطورة، كما يشير علي الأمين، يتمثل في التغيّر الاجتماعي للكتلة المحتجة. فالاحتجاجات السابقة كانت غالبُا محصورة بالفئات الفقيرة أو المناطق الطرفية أو الأرياف والضواحي، فيما بقيت الطبقة الوسطى والشرائح المرتبطة بالبازار خارج دائرة الصدام المباشر مع النظام. أما اليوم، فنحن أمام تحرك يشمل الطبقة الوسطى وحتى بعض الفئات الغنية، وهو ما يشكّل ضربة مباشرة لأحد أعمدة النظام الأساسية. فالنظام الإيراني يقوم تاريخيًا على ثلاث ركائز: البازار، الحوزة الدينية، والحرس الثوري. والعلاقة بين البازار والمؤسسة الدينية ليست فقط علاقة اجتماعية، بل هي علاقة تمويل وتبادل مصالح، حيث تشكل الحركة الإقتصادية للبازار مصدرًا أساسياً لدعم المؤسسة الدينية.
لذلك، إن دخول هذه الطبقات على خط الاحتجاج يعني أن الأزمة لم تعد أزمة فقراء فقط، بل أزمة نظام اقتصادي و سياسي يعاني من اختناق حقيقي.
كما أن هذه الاحتجاجات، بخلاف التحركات السابقة، لم تأخذ طابعًا قوميًا أو إثنيًا، ولم تتركز على قضية كردية أو نسوية أو حقوقية محددة، بل جاءت ذات طابع اقتصادي وسياسي عام، ما يمنحها قابلية أوسع للتمدّد والتراكم.
رغم ذلك، لا يرى الأمين أن هذه التحركات ستُحدث تغييرًا فوريًا أو انقلابًا سريعًا في بُنية النظام. لكنها تحمل مؤشرات إنذار واضحة، وقد تتحول إلى مقدمة لتحركات أكبر إذا استمرت الأزمات من دون معالجة. فالنظام الإيراني، وفق هذا التقدير، يقف اليوم أمام حائط مسدود: لا قدرة لديه على تنفيذ إصلاحات داخلية جدية تمس جوهر السلطة، ولا قدرة لديه على فتح علاقات خارجية تخفف الضغط الاقتصادي، في ظل العقوبات والحصار واستمرار التوتر مع الغرب.
هذا الانسداد يضيّق هامش الخيارات أمام القيادة الإيرانية. فإما أن يقدم النظام على خطوة سياسية كبيرة، أو أن يواجه مخاطر حقيقية تهدد استمراريته. ويضع الأمين هنا احتمالين أساسيين لمسار المرحلة المقبلة. الاحتمال الأول يتمثل في الذهاب نحو صفقة مع الولايات المتحدة الأميركية، تلتزم بموجبها إيران بشروط سياسية وأمنية واقتصادية، مقابل رفع أو تخفيف العقوبات وفتح باب الانفتاح الدولي.
أما الإحتمال الثاني، فهو اتخاذ خطوة داخلية قبل أي صفقة خارجية، كالدخول في ترتيبات انتقالية تتعلق بمرحلة ما بعد المرشد علي خامنئي، عبر تشكيل هيئة أو لجنة شبيهة بولاية عهد تضم ثلاثة أشخاص، من بينهم ابنه، تمهيدًا لإعادة إنتاج النظام بصيغة جديدة.
يضيف الأمين في حديثه بأن هذه الخيارات ليست سهلة، وما يجعلها أكثر تعقيدًا هو أن عدم القيام بأي خطوة اقتصادية أو سياسية سيقود إلى مزيد من العزلة والضغوط وربما الضربات العسكرية، في ظل غياب قدرة حقيقية على المواجهة أو الرد. وهذا ما ينعكس مباشرة على السياسة الخارجية الإيرانية، التي فقدت تدريجيًا أدوات الضغط التي كانت تستخدمها لتخفيف الإحتقان الداخلي.
في هذا الإطار، يلفت الأمين إلى تراجع فعالية أوراق النفوذ الإقليمي. ف”حزب الله” في لبنان، رغم استمراره كقوة قائمة، لم يعد يشكل ورقة ردع حقيقية بيد إيران، بعدما تآكلت قدراته العسكرية والنفوذ الأمني الذي كان يتمتع به. أما دولة اليمن، فرغم خصوصية وضعها وتعقيد العوامل المتداخلة فيها، لم تعد قادرة على لعب دور حاسم أو وحيد في الدفاع عن المصالح الإيرانية، في ظل التوازنات السعودية الأميركية وتراجع القدرة على التصعيد.
إذاً، يبقى العراق هو الساحة الأكثر حساسية وتأثيرًا. فإيران لا تزال تملك نفوذًا فعليًا هناك، لكنها باتت أكثر حذرًا في استخدامه. إذ تراجعت قدرة طهران على المغامرة بالوضع العراقي بشكل واضح، ليس خوفًا من خسارة النفوذ فحسب، بل خشية أن يتحول العراق نفسه إلى مصدر ضغط إضافي عليها.
لذلك، تسعى إيران إلى مسايرة الولايات المتحدة في العراق والحفاظ على حد أدنى من التفاهمات، طالما أن لها حصة في المعادلة السياسية والأمنية هناك.
في المقابل، لا تبدو القوى الشيعية العراقية راغبة في أي مواجهة كبرى، لا مع إيران ولا مع أميركا، بل تميل إلى تثبيت الاستقرار وتجنب المغامرات، ما يجعل الساحة العراقية غير صالحة للضغط على واشنطن، بل مصدرًا محتملاً لقلق طهران.
