“السّنّة” في لبنان .. زبدة الكلام !!

بقلم خالد صالح

يقولُ الكاتبُ المصري أحمد خالد توفيق: “تُصارحُ صديقكَ فتخسره، تُصارحُ أهلكَ فيتبرأون منك، تُصارحُ حبيبكَ فيهجركَ، تُصارحُ رجل الدين فيكفرك، تصارحُ السلطة فتسجنك، فماذا نفعل هنا؟، نرتدي الأقنعة ونستشرفُ ونخدعُ أنفسنا ومَن حولنا ونقولُ لهم ما يريدون سماعه، حتى نشعرُ بالانتماء الوهمي في مجتمع لا يتقبّل إلا مزيفًا” ..
نعيشُ اليوم في لبنان “زمن الرويبضة” الحقيقي، ولو كنّا سنصغي لكل “هراءٍ” نسمعُه فلن نجدَ وقتًا لشيءٍ آخر، فأسهل الأمور هي “خداع الناس”، لأنهم لايرون إلا ما يريدون أن يروه، ولايحبذون سماع إلا ما تطرب لهم نفوسهم ويبعث فيهم الأمل حتى لو كان دجلًا، وحين تُحيط بنا الأكاذيب من كلّ حدب وصوب كالمعتقدات الخرافية، عندئذ يصير البحث عن الحقيقة شبه مستحيل ..
إن الناظرَ إلى “الساحة السنّية” في لبنان وواقع أبنائها يجدُ ساحتَها تحملُ تركيبةً كـ “السهل الممتنع”، ورغم “الوهن” الذي أصابها منذ ذلك الإثنين الأسود في 14 شباط 2005، إلا أنها بقيت محافظة على دورها ومكانتها في التركيبة اللبنانية وصولًا إلى ما يُعرف بـ 17 تشرين، ولأنها تتسم بـ “المرونة” شكّلت رأس الحربة في هذا الحراك فأصبحت كمن “يطلق الرصاص على قدمه”، حتى غدت بلا منبر موحّد جامع للصف والكلمة، ورغم حساسية الأحداث التي تزج بتلك الساحة تجد بدلًا من الموقف الواحد عشرات المواقف التي تحمل في طياتها تناقضا في المبادئ وطريقة التعامل مع الواقع .
منذ ولادة لبنان الكبير في الـ ١٩٢٠ شكّل “السنّة” فيه المدماك الأساسي لقيامة هذه الدولة ” الوليدة، وسرعان ما ابتكروا لأنفسم أسلوبًا فريدًا في “المزج” بين “بعدهم العربي” و “لبنانيتهم الحديثة”، فتحوّلوا إلى “النكهة” التي تجعل لهذا الوطن طعمًا ولون، وتفتقت رؤيتهم الثاقبة في الـ ١٩٤٣ عندما لاقوا جميع الأقطاب تحت عباءة “الميثاق”، وبعيدًا عن العبارات الرنانة وارتصاف المصطلحات التي يستخدمها البعض، وانتقاء ثمار الكلمات من خزائن المعاجم والقواميس، وبعيدًا عن الإطناب والإدغام وحتى التقعير، فإن “السنّة” هم زبدة الكلام، وخير الكلام ما قلّ ودل .
على أثر سقوط “اوراق التوت” عن قضية “الأمير الوهمي”، بدأت مجموعة منظمة معروفة بخلفيتها السياسية التبعية بالتصويب على “دار الإفتاء” تارة وعلى “الحريرية الوطنية” بكل رموزها تارة أخرى، مجموعة لم تترك مناسبة للنيل من هاتين الركيزتين إلا وحاولت استغلالها، محمّلة لهما الأسباب المباشرة للتراجع الذي أصاب “السنّة” في العقدين الأخيرين، من دون تقديم أيّ رؤيا أو برنامج أو مشروع لنهضتها واستعادة مكانتها ودورها، والمتعمّق في أداء هذه المجموعات يُدرك أنها “مجموعات تسويقية” لا أكثر للطامحين إلى مقام رئاسة الحكومة .
إعلاميون طارئون على المهنة، مواقع إلكترونية أسست لهذه الغاية، تجمّعات هنا وخلايا هناك، كتبة مأجورون على القطعة، وتاريخ حافل من تبديل المواقع و “نقل البارودة من كتف إلى كتف” حسب المنفعة، لا قيم ولا مبادىء ولا التزام أو ثوابت، والأنكى من كل هذا يطرحون أنفسهم بصفة “المخلّص” للطائفة السنية، وهم منذ عقدين لاهمّ لهم إلا ضربها من أعماقها، خدمة لأجندات صارت مكشوفة للعلن ولا تتطلب جهودًا لمعرفة حقيقة نواياها .
لقد تناست هذه الفئات على اختلافها أن “إبرة” البوصلة تعطّلت وتوقفت باتجاه واحد منذ عقدين ونيف من الزمن وهي تشير إلى “بيت الوسط”، وبات هذا المكان الذي تعبق فيه رائحة “الرفيق الشهيد” وترفرف عليه “راية الوطنية” وتنبت في تربته “بذور العزة والكرامة” هو “القِبلة” التي إليها يتطلعون كلما شعروا أن وطنهم يمرّ في لحظات مفصلية تهدد ديمومته وكيانته، لأنهم يؤمنون أن القرار الذي سيخرج دخانه الأبيض من هذا البيت هو القرار الصائب لهم ولمستقبلهم .
وإذا كان البعض قد ظنّ أن تغييب الرئيس سعد الحريري عن المشهد سيُتيح للسنّة فرصة لإعادة بناء خطابهم السياسي من موقع جديد، فإن الواقع أتى محبطًا، حيث أُقصي السنّة المعتدلون ولم يُحتضن السنّة الجدد، وبدل أن يكون العهد منفتحًا على تطلعات السنّة في المشاركة، بدا كأنه يتعامل معهم كمجموعة ينبغي تحجيمها وضبطها، لا شريكًا يُبنى معه الوطن.
واللافت أن هذا التهميش في لبنان يجري بالتزامن مع صعود غير مسبوق للسنّة في سوريا المجاورة، حيث يتولون الآن مقاليد الحكم بعد سقوط نظام الأسد البائد، المفارقة أن سنّة لبنان، في دولة يُفترض أنها ديموقراطية وتعددية، يُعاقبون ضمنيًا على صعود إخوتهم في سوريا، في ما يبدو وكأنه عقاب جماعي وانتقامي تُمارسه بعض الأطراف التي تخشى من اختلال توازنات ما بعد الحرب السورية.
قدر “السنّة” في لبنان التواجد في كل المناطق، وقدر “القاعدة المستقبلية” أن يكون السنّة هم الأكثر تمثيلًا فيها، لهذا سال “لعاب” الجميع عليهم كأنهم “رؤوس أينعت” وحان موسم قطافها، ولم تهدأ الأقلام الصفراء ولا الأبواق المأجورة، عن إطلاق النفير و “دبّ الصوت” نحو “السنّة” ودفعهم مرغمين إلى “طي” صفحة “الحريرية الوطنية” نهائيا والتقوقع تحت راية هذا وعباءة ذاك .
بالمختصر المفيد “السنة” في لبنان ليسوا “سلعة” للمتاجرة في سوق المزايدات، فهم الوعاء الصلب لـ “الحريرية الوطنية” بمفاهيمها ورؤيتها وأدائها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وليسوا “كرمًا على درب” يحق للقاصي والداني التطاول عليهم وعلى كراماتهم وعزتهم ودورهم، “السنّة” في لبنان أصحاب أفعال لا أقوال وهم في طليعة الريادة، وتجاهل البعض للمواقف التي اتخذوها على مر التاريخ هو “قصر نظر”، لأن مواقفهم الوطنية كانت تتقدم دومًا على الجميع .
وبالدليل القاطع غدًا سيكتشفون عقم قراءتهم .. وإن غدًا لناظره قريب ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top