
بقلم الياس عيسى الياس- ديمقراطيا نيوز
تستيقظ الذاكرة أحياناً في أماكن غير متوقعة، لتربط بين أزمنة متباعدة وخيبات متكررة، وكأن الزمان في وطني ليس نهراً يمضي نحو مصبٍّ ما، بل هو ناعورة خشبية عتيقة تدور في مكانها، ترفع ذات المياه الموحلة وتسكبها في ذات السواقي الظمأى. تعود بي الذاكرة الآن إلى باريس، وتحديداً إلى “بوليفار فيكتور هوغو”، حيث قادتني المصادفات السعيدة قبل ربع قرن للسكن في بيت الطوباوي الإيطالي “دون أوريوني” (Don Orione). هناك، قضيت شهراً في ضيافة الراهب “دون أنطونيو”، ذاك الرجل الذي كانت ابتسامته الدائمة نبعاً من الطمأنينة الإلهية، وكأنها ترياق سماوي لضجيج العالم الخارجي واضطراباته.
كنت حينها أتحضر لمتابعة الدراسات العليا في العلوم السياسية بجامعة باريس العريقة، وبينما كنت أغرق بشغف في صفحات كتاب أهداه لي “دون أنطونيو” حين رآني منكباً عليه، وهو كتاب “المعجم الكبير للسياسة والسياسيين” للكاتب الساخر جيروم دوهاميل، لم أكن أدرك أن ذاك “المعجم” الذي يفضح بهلوانية الساسة الفرنسيين وتناقضاتهم، سيكون هو المنشور الذي سأقرأ من خلاله لاحقاً “سيرك” التحالفات في وطني لبنان، حيث تتفوق الواقعية اللبنانية على خيال أمهر الكتاب الساخرين، وتجعل من التناقض عُرفاً، ومن الانفصام مذهباً.
في لبنان، السياسة ليست “فن الممكن” كما يُشاع، بل هي “فن المستحيل” الذي يتحقق فوق موائد المصالح الضيقة. نحن نعيش حالة سياسية يُطلق عليها شعبياً خلطة “سمك، لبن، تمر هندي”. وبحسب الموروث، فإن هذه المكونات إذا اجتمعت أفسدت المعدة وشتتت المذاق، لكنها في التحالفات اللبنانية هي الطبق المفضل للزعماء. السمك الذي يسبح في مياه الشعارات البرّاقة، واللبن الذي يدعي النقاء والمبدئية المطلقة، والتمر هندي الذي يخلط الحلاوة بالمرارة العابرة للحدود؛ جميعها تُخلط في وعاء واحد لتنتج تحالفات هجينة تُصيب وعي المواطن بـ “تلبك سياسي” حاد، حيث يُمحى الأرشيف بقرار من “غرفة العمليات المشتركة” قبل كل استحقاق.
يصحو اللبناني ليجد أن “الخصم” الذي أقام عليه الحجة بالليل ووصفه بأقذع النعوت، قد صار “الحليف” الذي يُفتح له صدر الدار في الصباح. ولعل المثال الأبرز في تاريخنا الحديث هو “الحلف الرباعي” الذي وُلد في عام 2005. في تلك اللحظة السريالية، اجتمع “تيار المستقبل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” مع “حركة أمل” و”حزب الله” في خندق واحد. كان مشهداً يجسد ذروة “السمك واللبن”؛ حيث تم مدح “الوحدة الوطنية” لتغطية عملية إقصاء ممنهجة للقوى المسيحية الصاعدة. هذا الحلف لم يكن مجرد توزيع مقاعد، بل كان “رسالة ذم” مشفرة للمكون المسيحي، مفادها أن “القرار الكبير” يطبخه الأربعة الكبار، وما على الآخرين إلا الرضا بالفتات.
وإذا أردنا الغوص في “إبداعات” التقلب التي تجعل من دوهاميل يبدو هاوياً، فلا يمكن تجاوز وليد جنبلاط، الذي يمتلك راداراً سياسياً يشم رائحة الانعطافات قبل وقوعها بفرسخ. الأرشيف اللبناني يحفظ له كيف حوّل لغة الغابة إلى أدبيات سياسية يومية؛ ففي لحظات الخصومة القصوى، كان يصف أقطاب المحور المقابل بـ “الأفعى، والغراب، والقرد”. ومع ذلك، وبذات البراعة، وجدناه يوماً يطوي صفحة “حديقة الحيوان” هذه، ليتوجه نحو دمشق أو “حارة حريك” فاتحاً صفحة جديدة، واصفاً تلك الاستدارات بأنها “واقعية تقتضيها حماية الوجود”.
هذا “الغدر” الذي شعر به البعض من “الحلف الرباعي” أدى إلى ولادة تحالفات أكثر غرابة. فـ “التيار الوطني الحر”، رداً على إقصائه، ذهب ليوقع “تفاهم مار مخايل” مع “حزب الله” في عام 2006. فجأة، تحول “السلاح” الذي كان يُنتقد إلى “ضمانة وجودية”، وتحول “الحزب” من “ميليشيا” في القاموس العوني القديم إلى “مقاومة وطنية شريفة”. ولم تقف السريالية عند هذا الحد، فبعد عقد من الزمن، شهدنا ولادة شعار “أوعا خيك” في “تفاهم معراب”. هناك، تبادل “الجنرال” و”الحكيم” الأنخاب والابتسامات بعد ثلاثين سنة من حروب الإلغاء. صار “اللدود” “ودوداً”، وما إن انتهى مفعول “ورقة المحاصصة” على المراكز والوزارات، حتى عاد “الخِي” ليصبح “الخصم المعرقل”، وعاد المديح ليصبح هجاءً مقذعاً، مما يؤكد أن “السمك واللبن” اللبناني لا يُهضم إلا لغرض ابتلاع السلطة.
هذا الانفصام ليس مجرد عارضٍ جانبي، بل هو “الدستور غير المكتوب” الذي يحكم اللعبة من أقصى الوطن إلى أدناه؛ حيث يمتد هذا المشهد السريالي ليصب في قلب العاصمة بيروت. هناك، يتحول “الإبراء المستحيل” إلى “تسوية رئاسية ضرورية”، ويتحول “البلطجي” في خطاب البعض إلى “أستاذ اللعبة”، و”المراهق” في خطاب الآخرين إلى “رجل دولة حكيم”. عملية تبديل للأدوار تشبه مسرحيات الظل؛ حيث لا يهم ما يُقال على المنبر، بل المهم من يمسك بخيوط اللعبة ويوزع “المغانم”. إنها ملحمة بلاد ترفض أن تتعلم من مراياها، بلاد جعلت من “المعجم” لجيروم دوهاميل كتاباً مقدساً في “الردحة السياسية”.
الذاكرة هي العدو الأول للزعيم، والصدق هو العملة الوحيدة التي لا تُصرف في بنوك التحالفات. يمدحون “القانون” وهم ينسجون ثغراته، ويذمون “الفساد” وهم يرتدون أبهى حلله. كل شيء في لبنان يبدو وكأنه نتاج “خريف” طويل لهؤلاء القادة الذين لا يسقطون مع أوراق الشجر، بل يتجذرون في كراسيهم كلما عصفت الريح بالوطن. هم باقون، والكلمات هي التي تتغير. يمدحون “الزيت” عندما يريدون القلي، ويمدحون “النار” عندما يريدون الدفء، بينما الضحية (المواطن) تبتسم للجلاد في حفلة تنكرية كبرى.
هكذا، يظل المواطن واقفاً على رصيف الانتظار، يحمل في جيبه “معجم دوهاميل” وفي قلبه حسرة “دون أنطونيو” الباريسية. يراقب هؤلاء الذين رسموا حدود الخراب وهم يدعون اليوم أنهم مهندسو العمران. إنها الحكاية اللبنانية التي لا تنتهي؛ حكاية بلاد ضاعت في زواريب الكلام، حيث المدح والذم هما وجهان لعملة واحدة، وحيث تظل وجبة “السمك واللبن والتمر هندي” هي الطبق الوحيد المتاح على مائدة الوطن المنهوب.
نعم، السياسة في لبنان ممتعة.. ممتعة لمن يراقب السيرك من بعيد، لكنها وجع مقيم لمن يكتشف كل يوم أن “الزعيم” الذي مدحه بالأمس، هو نفسه الذي باعه في “سوق النخاسة” السياسي عند أول مفرق “حاصل” انتخابي.
