
بقلم ندى جوني
بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران وما تبعها من اغتيال المرشد الروحي للجمهورية الإسلامية السيد علي الخامنئي ومعه أهم القادة العسكريين الإيرانيين ، أعلن “حزب الله” إطلاق ستة صواريخ باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة وصفها بأنها ثأراً لدم الخامنئي.
جاءت هذه العملية بعد ما يقارب العام والنصف من التزام الحزب باتفاق وقف إطلاق النار يوم 27 تشرين الثاني 2024 بعد شهرين من الحرب المتواصلة، رغم الخروقات الإسرائيلية المتكررة خلال تلك الفترة، ما أدى إلى انهيار التهدئة واندلاع مواجهة عسكرية جديدة على الجبهة اللبنانية.
سرعان ما ردّت إسرائيل بسلسلة غارات مكثّفة استهدفت مناطق واسعة في لبنان، شملت جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، الأمر الذي أدّى إلى اتساع رقعة المواجهة وعودة مشهد القصف والنزوح، في وقت يواجه فيه “حزب الله” ظروفاً عسكرية ولوجستية معقّدة، خصوصاً بعد تراجع قدراته الإمدادية إثر سقوط النظام السوري.
بالتوازي مع ذلك، برز تطوّر ميداني لافت تمثّل في قيام الجيش السوري بحشد آلاف الجنود على الحدود الممتدة بين لبنان والعراق. ورغم إعلان الدولة السورية بأنه إجراء احترازي لحماية حدودها، إلاّ أنه أثار تساؤلات حول دلالات هذا التحرك وتوقيته، وإمكانية انخراط سوريا في الحرب الدائرة في ظلّ التصعيد المتواصل بين إيران وإسرائيل.
في هذا الإطار، أجرى موقع “ديمقراطيا نيوز” مقابلة مع الكاتبة السياسية والصحافية السورية عليا منصور، لقراءة أبعاد هذه التطورات وانعكاساتها على لبنان والمنطقة.
منصور: سوريا تريد ضبط حدودها ولن تدخل أي صراع خارج أراضيها
في قراءةٍ للتطورات على الحدود اللبنانية السورية، رأت منصور أنّ الخطوة التي قامت بها دمشق عبر نشر قوات من الجيش السوري على الحدود لا ينبغي تفسيرها في سياق الانخراط في الحرب الدائرة في المنطقة، بل تأتي في إطار سياسة واضحة تتبعها سوريا منذ أكثر من عام لضبط حدودها ومنع استخدامها في أي أنشطة غير قانونية أو عسكرية.
وأوضحت منصور أنّ مسألة تأمين الحدود كانت موضع تنسيق واتفاق سابق بين الجانبين اللبناني والسوري، مشيرة إلى أنّ دمشق حريصة على عدم السماح باستخدام أراضيها أو حدودها لتهريب السلاح أو المخدرات، أو لعبور مجموعات مسلّحة من أي جهة كانت، سواء من “حزب الله” أو غيره، بهدف تنفيذ عمليات قد تؤدي إلى زعزعة الإستقرار داخل سوريا.
واعتبرت أنّ هذا الموقف ينسجم مع أولويات الدولة السورية في المرحلة الراهنة، والتي تركز على تثبيت الاستقرار الداخلي ومنع انتقال تداعيات الصراعات الإقليمية إلى أراضيها.
وفي هذا السياق، كشفت منصور أنّ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني تواصل مع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، وذلك على خلفية الحملة الإعلامية التي رافقت انتشار الجيش السوري على الحدود، والتي حاولت بحسب تعبيرها تصوير هذه الخطوة على أنّها تمهيد لدخول سوريا في الحرب الدائرة في المنطقة.
وأكد الشيباني خلال هذا التواصل أنّ الإنتشار العسكري السوري يندرج حصراً في إطار حماية الحدود السورية، ولا يحمل أي أبعاد هجومية أو نيات للتدخل في الصراع القائم.
وأضافت منصور أنّ القراءة الواقعية لما يجري تُظهر أنّ دمشق تتعامل مع التطورات الإقليمية بحذر شديد، وهو ما يفسر أيضاً الانتشار العسكري السوري على الحدود مع كلٍّ من لبنان والعراق، في خطوة تهدف إلى منع أي اختراق أمني أو استخدام للأراضي السورية في ظلّ اتساع رقعة التوتر في المنطقة.
وفي ما يتصل بالتصعيد الإقليمي، اعتبرت منصور أنّ إيران تسعى إلى توسيع رقعة الحرب، مشيرة إلى أنّ استهدافها لعدد من الدول في المنطقة، بما في ذلك بعض الدول العربية إضافة إلى تركيا وأذربيجان، يعكس توجهاً واضحاً نحو توسيع مسرح المواجهة بدل احتوائها.
وفي المقابل، شددت منصور على أنّ الموقف السوري لا يعاني من أي غموض كما يحاول البعض الإيحاء، لافتة إلى أنّ دمشق عبّرت أكثر من مرة عن موقفها بوضوح، وكان آخرها خلال الاتصال بين الرئيس نواف سلام والوزير أسعد الشيباني. وأكدت أنّ سوريا تتعامل مع لبنان على أساس العلاقة بين دولتين ذات سيادة، وأنّ سياستها تجاهه لا تختلف عن الموقف العام الذي تتبناه غالبية الدول العربية، والقائم على عدم الانخراط في الصراعات الدائرة خارج حدودها.
وقالت منصور إنّ سوريا حسمت خيارها بعدم التورط في أي نزاع عسكري خارج أراضيها، سواء في لبنان أو في أي ساحة أخرى، معتبرة أنّ هذا الموقف يعكس توجهاً سياسياً واضحاً لدى القيادة السورية الجديدة منذ سقوط نظام بشار الأسد. كما أشارت إلى أنّ المرحلة التي تلت سقوط النظام شهدت حملة إعلامية متواصلة من قبل “حزب الله” ومنابر إعلامية قريبة منه، سعت إلى إثارة مخاوف اللبنانيين من النظام السوري الجديد. غير أنّ منصور شددت على أنّ الوقائع حتى الآن لا تعكس هذه الصورة، إذ لم يصدر عن دمشق أي موقف عدائي تجاه لبنان، بل على العكس، عبّرت القيادة السورية مراراً عن احترامها الكامل لسيادة لبنان وحرصها على بناء علاقات طبيعية ومتوازنة بين الدولتين الجارتين.
ورأت منصور أنّ المفارقة تكمن في أنّ بعض خصوم “حزب الله” في الداخل اللبناني ساهموا، من حيث يدركون أو لا يدركون، في الترويج للسردية التي يطرحها الحزب حول سوريا، وهو ما أدى إلى تضخيم المخاوف وإرباك النقاش العام حول طبيعة الموقف السوري الحقيقي.
