
بقلم جوزاف وهبه
“لقد بلغ السيل الزبى..” في سرديّات الإنتصار والصمود والثأر والإسناد خارج الحدود، تارةً غزّة، وطوراً إيران، كأنّه قدر علينا أن نموت لأجل الآخرين، فيما الآخرون لم يذرفوا دمعة واحدة، ولم يطلقوا رصاصة واحدة، حين ذُبحنا كالخراف. لا يكفّ “إعلام الحزب” (لم يعد يصحّ القول “إعلام الممانعة” بعد أن انفكّ عن المقاومة الإسلاميّة جميع الحلفاء، الواحد تلوَ الآخر، إثر السقوط المتتالي لنفوذ الحزب في لبنان والمنطقة..) عن تضخيم تأثير كلّ “طلقة أو رشقة أو اشتباك” ليتحوّل أيّ “حدث أمني” إلى جرعة معنويّات للبيئة الحاضنة التي انتقلت – بأوامر مباشرة من أفيخاي أدرعي – من الضاحية الغنيّة بالمصالح والنفوذ، إلى أماكن الإيواء بين المدارس والطرقات دونما القدرة على نقل “النفوذ والمصالح” إلى أماكن الشتات الجديدة، ما يفسّر “الإشكالات النقّالة” التي ترافق النازحين أينما حلّوا، وخاصّة في المناطق السنّية والمسيحيّة الأشدّ عداءً لسياسة الحزب الإنتحاريّة التدميريّة!
آخر الإنتصارات (وللأسف ليس أخيرها) ما وصفته الزميلة مريم البسّام ب “جمهوريّة النبي شيت” في إشارة إلى ما أسمته التصدّي البطولي لأهالي المنطقة لقوّة إسرائيلية دخلت إلى مقابر البلدة بحثاً عن رفات الجندي رون أراد المفقود منذ أكثر من 40 سنة، وقد انتهي التصدّي (الإلهي) بحوالي 50 شهيداً من المواطنين، فيما تمكّنت المجموعة الإسرائيلية من الإنسحاب بعد أن حصلت على عظام من مقبرة آل شُكر، ليتبيّن أنّها غير مطابقة لجثّة الجندي المفقود..ولقد سها عن الزميلة بسّام أنّ 50 شهيداً قد سقطوا، وأنّ المجموعة المتسلّلة لم تُصب بأذى، كما لم تقع في الأسر حسبما روّج إعلام الحزب للقول بأنّ المقاومة قد سطّرت نصراً جديداً:”نصر” الستّة صواريخ التي أطلقت من الجنوب أودى إلى تهجير حوالي نصف مليون مواطن من الضاحية..و”نصر” النبي شيت أدّى إلى خسارة عشرات الشبّان من أهالي البلدة والجوار.والسؤال الذي لا نزال عاجزين عن الإجابة العاقلة عليه، إلى متى سنستمرّ في ادّعاء النصر، فيما نحن نعاني من كلّ أشكال الموت والخراب والدمار؟
الشيخ نعيم قاسم، في آخر تجلّياته، لجأ إلى كتابة صفحة من التاريخ، معترفاً باختلال ميزان القوى لصالح العدو:كيف يمكن لقائد أن يعترف بضعفه، ويجرّ شعبه إلى حرب غير متكافئة، وبمعنى آخر خاسرة سلفاً، لأنّ نتائج الحروب تعكس ميزان القوى، ليس إلّا:مَن خسر قياداته من الصفّ الأول والثاني والثالث بمَن فيهم أمينه العام حسن نصرالله وخليفته المفترض هاشم صفي الدين، وعانى ما عاناه من عمليّات غير مسبوقة كالبيجرز، كيف يمكن له أن يكسب جولة جديدة بعد أن طالت يد الإغتيال “مرشده الأعلى” علي خامنئي ونخبة مستشاريه وقياداته في قلب طهران المحصّنة؟ أيّ عقل استراتيجي يسمح بتكرار الهزيمة (ولو اتّخذت شكل صفحة من صفحات التاريخ) فيلجأ إلى “حرب إسناد” جديدة هي “نسخة مكرّرة” عن حرب الإسناد الأولى، باستثناء المزيد من الشهداء والخسائر، والمزيد من التهجير في تغريبة لا أفق لها، ولا نهاية؟
قد يحلو لبعض أصحاب الرؤوس الحامية بوصف هذا الكلام بالإنهزام واللاوطنيّة، وصولاً إلى عبارات التخوين وما شابه، ويا ليتهم ينظرون في مرآة الأحداث والنتائج المأساويّة على أرض الواقع، علّهم يستنتجون أنّ “النصر المزعوم” هو خيانة للذات، للبيئة الحاضنة ولكلّ الوطن.هو هديّة ذهبيّة للعدو الذي يفرح لجنوننا وعبثيّتنا.هو خنجر مسموم نغرزه كلّ يوم في صدور أمّهاتنا وأطفالنا.هو اللعب بمصير بشر من لحم ودم ومشاعر.هو طعنة هوجاء في القلب..وصحيح أنّه قد يُسجّل في كتاب التاريخ، ولكنّها “الصفحات السوداء المؤلمة” من هذا الكتاب!
أمنية أخيرة:لو نكفّ عن الإنتصار لمرّة واحدة.لو ننهزم، أو نقرّ بالهزيمة، علّنا نتعلّم الدرس الأوّل في السياسة والحرب والعمل الحزبي، ألا وهو أنّ الهدف يبقى – أوّلاً وأخيراً – هو الناس وبيوت الناس وطمأنينة الناس..فهل يتعلّم الحزب – ولو متأخّراً – قواعد هذا الدرس الأوّل!؟
