
بقلم الياس عيسى الياس
في كل صباح لبناني، وقبل أن يرتشف المرء قهوته أو يلقي تحية الصباح، تسبقه يده إلى الهاتف ليتفحص “جدول أسعار المحروقات”. لم يعد الأمر مجرد خبر اقتصادي جاف، بل صار طقساً وجودياً يحدد مسار يومنا وقدرة جيوبنا على الصمود.
ومع انطلاق عملية “الغضب الملحمي” التي يقودها الرئيس دونالد ترامب، شعرنا جميعاً بلفحة ذلك اللهب البعيد تصل إلى عتبات بيوتنا؛ فالرصاصة التي تُطلق في مياه الخليج، تصيب مباشرةً قدرة الأب على إيصال أطفاله إلى المدرسة في بيروت أو الجبل.
إنها مفارقة فلسفية حزينة، أن يرتبط مصير “صفيحة البنزين” التي تحرك يومنا المتواضع، بصراع جبابرة يقبعون خلف الشاشات. لنجد أنفسنا رهائن لقرار يُتخذ في واشنطن ويُدفع ثمنه من أعصابنا ومن قوت يومنا المهدد سلفاً.
في هذه الحرب التي يُراد لها أن تكون “نزهة قصيرة” لتصحيح أخطاء سبعة وأربعين عاماً، يبدو أن التاريخ يمارس نوعاً من السخرية المرة تجاه اقتصاد عالمي هش، يترنح اليوم بين مطرقة الرسوم الجمركية وسندان الصدمات النفطية.
تتبنى هذه المغامرة “اقتصاد الصدمة”، حيث يُفترض أن الأمن القومي يبرر كل كلفة، مهما بلغت مرارتها في حلوق البشر. وحين يصف ترامب ارتفاع الأسعار بأنه “ثمن صغير” مقابل الأمن، فإنه يتحدث من شرفة القوة التي لا تدرك أن هذا الثمن في عواصم كأمثال بيروت هو زلزال معيشي.
ففي لبنان، هذا المختبر الصغير لأزمات الكون، تحول جدول الأسعار اليومي إلى عداد للموت السريري للقدرة الشرائية. قفزت أسعار النفط عالمياً لتتخطى 110 دولارات للبرميل، قبل أن تهدأ قليلاً بفعل التصريحات السياسية الضبابية.
إننا نعيش زمن “اللايقين” بامتياز، حيث تتحول التحليلات الرصينة إلى نوع من التنجيم. ويرى تيم ماهيدي (كبير الاقتصاديين في شركة Access/Macro البحثية وخبير سابق في بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو) أن هذه الصدمة تأتي في توقيت سيئ للغاية، حيث استنزف المستهلكون مدخراتهم بالفعل.
والملفت في هذه النسخة من الصراع هو البراغماتية الفجة التي تدفع واشنطن لغض الطرف عن النفط الروسي “المحرّم” سابقاً، لضمان تدفق السيولة النفطية وتخفيف الغضب الشعبي. إنه “ميكافيللي” بزيّ “تاجر نفط”، حيث تذوب المبادئ السياسية عند عتبة محطات البنزين.
وفي هذا السياق، تؤكد تايلور روجرز (المتحدثة باسم البيت الأبيض) أن الإدارة في تنسيق دائم لاحتواء التداعيات، معتبرة أن الأهداف العسكرية تبرر الاضطراب. لكن برنارد ياروس (الاقتصادي الرئيسي للولايات المتحدة في Oxford Economics) يطرح رؤية أكثر تشاؤماً، مشيراً إلى أن استقرار السعر المرتفع سيسحق الفئات الأكثر فقراً.
أما في لبنان، فلم يعد الغاز المنزلي مجرد وسيلة طهو، بل صار عملة نادرة تخضع للمضاربات. أصبح تأمين “قارورة” غاز إنجازاً يوازي في صعوبته تفاهمات الدول الكبرى. هذا التماهي بين العبث الجيوسياسي والوجع اليومي هو أقصى درجات الاغتراب الإنساني.
ويحذر غريغوري داكو (كبير الاقتصاديين في EY-Parthenon) من أن استمرار الأعمال العدائية قد يرفع التضخم العالمي بنحو نقطتين مئويتين إضافيتين. هذا يعني ببساطة فقدان السيطرة على الأسواق وتراجعاً كبيراً في معدلات النمو المتوقعة لعام 2026.
ورغم محاولات التهدئة التي يقودها كريس رايت (وزير الطاقة الأمريكي) عبر التبشير باستئناف قريب لحركة الشحن في مضيق هرمز، إلا أن القلق يبقى سيد الموقف. ويختم كيفن هاسيت (مدير المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الأبيض) المشهد بنبرة متفائلة، مؤكداً أن العيون موجهة نحو الأفق.
لكن بالنسبة لنا هنا، في هذه البلاد التي تقتات على الانتظار، فإن الأفق الوحيد المرئي هو ذلك الجدول اللعين للأسعار، الذي يزداد قسوة كلما اشتدت حرارة الصيف أو صقيع الشتاء. إنها الفلسفة المرة للزمن الحديث؛ أن نكون شهوداً على أعظم طفرات المعرفة، بينما نعجز عن تأمين كلفة طريق العودة إلى بيوتنا.
نحن اليوم لا نحارب في الخليج، لكننا ندفع ثمن كل طلقة من أعصابنا ومن أحلامنا المؤجلة، تاركين مصائرنا معلقة في مهب ريح “الغضب الملحمي”؛ تلك الريح التي لا تفرق بين “بارجة” حربية في البحار البعيدة، وبين “سرفيس” لبناني متهالك يلهث خلف رغيف الخبز في زحام الحياة الضيقة.
