
بقلم الياس عيسى الياس
على تلك المصطبة العتيقة التي نخرها سوسُ الأيام في ضيعتنا، جلس “أبو شربل” يقلّب في هاتفه كمن يفتش عن إبرة في كومة قشّ. كانت عيناه مسمرتين على جدول أسعار المحروقات الذي صار في بلادنا أقدس من مواقيت الصلاة.
زفر زفرةً كادت تشعل تبغ غليونه، والتفت إلى زوجته الصبورة التي كانت تهزُّ “سلة المونة” الخاوية وكأنها تستسقيها رحمةً. بالنسبة لـ “أبو شربل”، ليس مضيق هرمز ذاك الممرّ المائي البعيد، بل هو “عنق زجاجة” حياته اليومية.
فكلما تلاطمت أمواج الخليج هناك، أصيب رصيده الهزيل في المصرف بالزكام. وتحولت رحلته الصباحية لتوصيل ابنه إلى المدرسة إلى مغامرةٍ انتحارية في مهبّ الأسعار المتقلبة.
في بيتنا اللبناني، لا نحتاج إلى مختبرات كيميائية لنفهم سرّ الغلاء، بل يكفي أن تنظر إلى عينَي “أم شربل” وهي تطوف في مطبخها. هي لا تدري أن ذاك المضيق يمرّ عبره خمسُ نفط العالم، لكنها تدرك بالفطرة أن “الزيت” الذي يغلي في مقلاتها هو ابنُ شرعيٌّ لتلك الممرات.
فالنفط والغاز، ليسا مجرد وقودٍ يحترق في محرك السيارة، بل هما “الطبخة الأساسية” لكل ما نلمسه. في صالونات العلم يسمون هذه المواد “اللقيم”، لكن أم شربل تبسطها لجارتها بذكاء الفطرة:
”يا تقبريني يا خيتي، النفط بعالمنا متل الطحين بمطبخنا؛ شفتِ شي نهار رغيف أو كعكة أو حتى شقفة بسكويت بتنعمل بلا طحين؟ هيدا هو النفط؛ بيفوت بصناعة كراسي البلاستيك، وأكياس النايلون، وحتى خيوط التياب اللي لابسِينا. فإزا غلي سعر (الطحين الأسود) بهيديك البلاد، ولعت أسعار كل هالكمشة غراض بدكانة الضيعة، لأنو كل شي عم نلمسو بإيدنا هو بالأصل (عجينة) انطبخت من خيرات هالبترول.”
من تلك السوائل السوداء، تولد الأسمدة التي تمنح “بندورة” سهولنا لونها الأحمر. وبدونها تصبح الأرض عاقراً، ويتحول طبق “الفتوش” الشعبي إلى ترفٍ لا يقوى عليه إلا من رحم ربي.
تأمل معي تلك السلة التي تحملها “أم شربل”؛ ففي طياتها حكاياتُ غلاءٍ لا ترحم. السكر والأرز والعدس، وإن جاءت من أقاصي الأرض، فإن كلفة شحنها عبر “سلاسل التوريد” تزيد مع كل بارجة حربية تظهر في الأفق.
وإذا انتقلتَ إلى المنظفات، ستجد أن ذراتها ولدت من رحم “البتروكيماويات”؛ وهي الكيمياء التي تحول النفط إلى صابون وبلاستيك. فكل لتر مسحوق غسيل هو في الحقيقة “نفطٌ مقنّع”، يرتفع سعره كلما توترت الأجواء في مياه الخليج.
يسترسل “أبو شربل” في حديثه، ليشرح لجاره سرّ “النحاس والكوبالت”: “يا جاري، حتى الشمس التي نهرب إليها بألواحنا وبطارياتنا، صارت رهينة الهرمز”.
فالعلم يقول إن استخراج تلك المعادن يحتاج إلى “حمض الكبريتيك”، وهو سائل كيميائي يُنتج بمساعدة النفط والغاز. فإذا شحّ الأصل، غلا الفرع، وصارت البطارية التي تحمينا من عتمة الدولة أغلى من البيت الذي يؤوينا.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فكلُّ ما تلمسه يدك من بلاستيك، ونايلون، وحتى خيوط الثياب، هي في الأصل مواد خرجت من باطن الأرض لتمر عبر ذاك المضيق، قبل أن تتحول في مصانع الكبار إلى سلعٍ نشتريها بدم القلب.
يحلُّ الليلُ على الضيعة، ويخيم الصمتُ إلا من أنين القلق في صدور الآباء. يتبادل “أبو شربل” وزوجته نظرةً صامتة؛ نظرةً تتساءل بمرارة: كيف لقرارٍ يُتخذ في أقاصي الأرض، خلف البحار والمحيطات، أن يتحكم بمقادير طبختنا، ويخطف البسمة عن وجه طفلنا “شربل” ليحولها إلى مجرد أرقامٍ صماء في جداول الأسعار؟
هكذا يظل الرغيف اللبناني عالقاً في حنجرة الوقت، يخنقه دخان البوارج البعيدة، وتضيق عليه الطرقات كلما اشتدّ طمع الجبابرة. ويبقى الرهانُ في حاراتنا على ما تبقى من صمود، بانتظار فجرٍ لا يحمل في طياته جدول أسعارٍ جديد يسرق ما تبقى من أحلامنا البسيطة.
