لبنان تحت النار… وجع وطنٍ يتمسّك بالحياة

بقلم غنوى أبو ضاهر

في لبنان، الحرب ليست حدثاً عابراً يمكن اختصاره بكلمات، ولا مشهداً بعيداً يُروى من خلف الشاشات. إنها واقع يومي ثقيل يطرق أبواب البيوت، ويستقر في قلوب الناس خوفاً وقلقاً ووجعاً. فالعدوان الإسرائيلي على لبنان ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل مأساة إنسانية تضرب مجتمعاً كاملاً، وتضع ضمير العالم أمام سؤالٍ أخلاقي لا يمكن الهروب منه: لماذا يُترك الأبرياء دائماً ليدفعوا ثمن حروبٍ لم يختاروها؟
منذ اندلاع هذه الحرب، ارتفعت حصيلة الضحايا من المدنيين بين شهداء وجرحى، سقط كثير منهم في بيوتهم أو في طرقاتهم، في لحظاتٍ كانوا يظنونها عادية من يومٍ عادي. أطفال كانوا يستعدون لمدارسهم، أمهات يجهزن طعام أسرهن، وآباء يسعون فقط إلى تأمين لقمة العيش في بلدٍ يرزح أصلاً تحت أزمات اقتصادية خانقة. لكن القذائف لا تعرف تفاصيل الحياة اليومية، ولا تعترف ببراءة الأطفال، فتترك خلفها فراغاً موجعاً في قلوب العائلات التي فقدت أحباءها فجأة.
وفي الجنوب اللبناني، حيث تتكرر الغارات والقصف، تبدو القرى كأنها تحكي بصمتٍ قصة الخراب. منازل مدمرة، طرقات مقطوعة، وأحياء كاملة تحولت إلى مساحات من الركام. غير أن الدمار الحقيقي لا يُقاس بالحجارة وحدها، بل بما يتركه في النفوس: في نظرات الأطفال التي فقدت شيئاً من براءتها، وفي القلق الذي يسكن قلوب الأمهات، وفي ذلك الصمت الثقيل الذي يخيّم على البيوت بعد كل غارة.
ومع اشتداد القصف، اضطر عشرات الآلاف من اللبنانيين إلى ترك بيوتهم والنزوح نحو مناطق أكثر أماناً. فجأة، تحولت حياة كاملة إلى حقائب صغيرة تحمل ما تيسّر من الذكريات. مدارس تحولت إلى مراكز إيواء، وبيوت فتحت أبوابها لما يفوق قدرتها، ومساحات ضيقة تحاول أن تحتوي حكايات فقدٍ لا تُروى بسهولة.
لكن قسوة النزوح لا تكمن فقط في فقدان البيت، بل في الإحساس العميق بالاقتلاع. فالبيت في لبنان ليس مجرد جدران وسقف؛ إنه ذاكرة العائلة، وصور الطفولة، ورائحة الطعام في المطبخ، وصوت الضحكات في الأمسيات. وعندما يُجبر الإنسان على مغادرته، يشعر وكأنه ترك جزءاً من روحه خلفه.
وتزداد مرارة المشهد حين تأتي هذه المعاناة في شهر الصوم، الشهر الذي يفترض أن يكون مساحة للسكينة والروحانية ولمّ الشمل. غير أن كثيرين في لبنان يستقبلون إفطارهم اليوم بعيداً عن بيوتهم، في مراكز إيواء أو أماكن مؤقتة، حيث تختلط لحظة الإفطار بالقلق والخوف. موائد بسيطة، أطفال يسألون عن غرفهم التي تركوها، وآباء يخفون قلقهم وهم يفكرون بالفواتير التي لا تنتظر أحداً: إيجارات، كهرباء، مدارس، ومتطلبات حياة لا تتوقف حتى في زمن الحرب.
إنها صورة مؤلمة لواقعٍ يفرض على الناس أن يخوضوا معركتين في آنٍ معاً: معركة النجاة من القصف، ومعركة الاستمرار في حياةٍ لم تتوقف أعباؤها.
ومع ذلك، يبقى في لبنان ما لا تستطيع الحرب أن تكسره. فوسط هذا المشهد المثقل بالألم، لا يزال الناس يتمسكون بحقهم الطبيعي في الحياة. حقهم في أن يكبر أطفالهم في أمان، وأن تبقى بيوتهم عامرة بالدفء لا بالركام، وأن تتحول هذه الأرض من ساحة حرب إلى وطنٍ يشبه أحلام أبنائه.
ما يحدث في لبنان ليس مجرد أزمة سياسية أو عسكرية، بل اختبارٌ حقيقي لضمير الإنسانية. فحين يُترك شعبٌ بأكمله ليواجه الخوف والدمار والتهجير، يصبح الصمت شريكاً في الألم.
ومع كل هذا الألم، يظل لبنان واقفاً. قد تتعب شوارعه، وقد تُثقَل سماؤه بالدخان، لكن روحه لا تنكسر. ففي كل بيتٍ لبناني قصة صمود، وفي كل أمّ قوةٌ خفية تُبقي الحياة ممكنة رغم كل شيء. هذا البلد الذي اعتاد عبر تاريخه أن ينهض من بين الركام، يعرف جيداً أن الليل مهما طال لا بد أن يعقبه فجر.
لبنان ليس مجرد وطنٍ على الخريطة، بل هو قصة شعبٍ يعشق أرضه حتى في أقسى لحظاتها. ولذلك، فمهما اشتدت الحروب، ومهما حاول الدمار أن يفرض كلمته، سيبقى اللبنانيون متمسكين بأرضهم وبحقهم البسيط: أن يعيشوا بكرامة في بلدٍ يستحق الحياة… بلد اسمه لبنان.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top