حزب اللّٰه من “وهج التحرير” إلى”رماد الساحات”تحولات الفكر والممارسة في الوجدان اللبناني

بقلم الياس عيسى الياس

​على مدار أكثر من أربعين عاماً، لم تكن علاقة اللبنانيين بحزب الله مجرد تفصيل سياسي عابر، بل كانت مرآةً عكست تقلبات الهوية الوطنية الجريحة. اليوم، يقف اللبناني وسط ركام قراه ومدنه، يلملم ما تبقى من ذاكرته، ويسأل بمرارة: “إلى أين نحن ذاهبون؟ ومن الذي يملك حق القرار في حياتنا وموتنا؟”. إنها حكاية تحول الحزب من “مقاومة وطنية” باركها الجميع، إلى “قوة إقليمية” وضعت مصلحة المحور فوق مصلحة الوطن، حتى بات المواطن يشعر أن بلده صار مجرد ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

​بدأت هذه الحكاية في عام 1982، حين اجتاحت إسرائيل العاصمة بيروت. وسط ذاك الانكسار المذل، ولد حزب الله كفعل رفض طبيعي لصد العدوان واستعادة الكرامة المهدورة. في تلك المرحلة، رأى اللبنانيون بمختلف طوائفهم في هذا التنظيم الفتي قوة تملأ فراغ الدولة العاجزة، واستمر هذا الصعود الشعبي حتى اللحظة التاريخية في 25 أيار 2000، حين توحد الوجدان اللبناني في مشهد نادٍر من الإجماع الوطني مع انسحاب المحتل.

​بيد أن هذا الإجماع لم يدم طويلاً؛ إذ بدأت التصدعات تظهر مع غياب العدو المباشر وبروز تحديات بناء الدولة. كانت نقطة التحول الأولى في 14 شباط 2005، مع زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الذي لم يدمر حجراً فحسب، بل شقّ الروح اللبنانية إلى نصفين. ثم تعمق الجرح في 7 أيار 2008، حين وُجّه السلاح نحو الداخل رداً على قرارات حكومية، مما رسخ في الذاكرة الجمعية أن “المقاومة” قد تتحول إلى أداة للهيمنة السياسية وشلّ إرادة الدولة.

​في المقابل، لا يمكن تجاهل أن شريحة واسعة من اللبنانيين، لا سيما في بيئة الحزب، ما زالت ترى في هذا السلاح ضمانة الردع الوحيدة أمام الأطماع الإسرائيلية. هؤلاء يعتبرون أن التخلي عن السلاح في ظل غياب دولة قوية تحمي أبناءها، قد يعرّض لبنان لمخاطر وجودية وتكرار لمآسي الماضي. هذا الانقسام العميق في الرؤية هو جوهر المأزق اللبناني الذي جعل الوطن يعيش في حالة قلق دائم.

​ولم تتوقف تحولات الحزب عند الحدود؛ ففي عام 2012، اتخذ قراراً منفرداً بالانخراط في الحرب السورية. بالنسبة للكثيرين، كان هذا الانعطاف دليلاً على أن بوصلة الحزب باتت مرتبطة بالأمن الاستراتيجي لمحور عابر للحدود. هذا التموضع أدى إلى عزل لبنان عن محيطه العربي التاريخي، وتسبب في تدهور علاقاته التي كانت رئة يتنفس منها، مما سرّع من وتيرة الانهيار الاقتصادي الذي سحق المواطن اللبناني.

​جاءت أحداث 8 تشرين الأول 2023 لتفتح الفصل الأكثر دموية. بقرار لم يُستشر فيه برلمان ولا حكومة، فتح الحزب “جبهة إسناد” لغزة. وعلى مدار عام كامل، تحول الجنوب إلى ساحة حرب استنزاف دمرت الأخضر واليابس. ومع حلول عام 2024، تفاقمت المأساة بمواجهة شاملة أسفرت —بحسب تقديرات المنظمات الدولية والهيئات الرسمية— عن سقوط آلاف الضحايا وتشريد أكثر من مليون ومائتي ألف لبناني، وتدمير عشرات الآلاف من الوحدات السكنية التي سُويت بالأرض.

​ومع إطلالة عام 2026، وفي ظل تصاعد النيران الإقليمية التي بلغت ذروتها، لم يعد خافياً أن الحزب انزلق نحو ما اصطُلح على تسميته “جبهة إسناد المحور الكلية”. هذا التحول لم يكن مجرد تكتيك عسكري، بل كان كشفاً صريحاً عن عمق ارتباط عضوي يتخطى حدود التضامن ليذوب في خانة الوكالة العسكرية المباشرة. واليوم، واللبناني يرقبُ قرى الجنوب والبقاع وهي تتحول إلى رماد تذروه الرياح، يصفعه السؤال الوجودي المرّ: هل صار وطنه مجرد “ورقة تفاوض” تُحرق لتسخين طاولة الكبار، أو خندقاً متقدماً في صراع إقليمي فسيح، لا يملك فيه المواطن من أمره إلا حق النزوح أو انتظار المجهول؟

​إن الحقيقة المرة هي أن “الانتصارات” التي يتحدث عنها الخطاب التعبوي، تقابلها هزيمة معيشية وإنسانية ساحقة للبنانيين. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات ولا بالارتهان للمحاور، بل بإرادة أبنائها حين يقررون أن يكون وطنهم بيتاً آمناً لهم، لا ساحة مكشوفة لحروب الآخرين.

​ربما لم يعد السؤال اليوم من انتصر ومن خسر، بل كيف يمكن للبنان أن ينجو. إن العودة إلى منطق الدولة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية لم تعد مجرد مطالب سياسية، بل باتت صرخة وجودية. فالأمان الحقيقي لا ينبع من فوهة بندقية خارجة عن إجماع الوطن، بل من كيان يحترم إنساننا ويصون مستقبلنا بعيداً عن صراعات الساحات ورمادها.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top