
بقلم الياس عيسى الياس
يُحكى في الأساطير اليونانية أن “كاساندرا” نالت موهبة التنبؤ بالمستقبل لكنها حُكمت بلعنة أبدية: ألا يصدقها أحد. وقفت على أسوار مدينتها تحذر من الحصان الخشبي، ورأت النيران قبل أن تشتعل، لكن الطرواديين سخروا منها حتى استيقظوا على نصل السيف في حناجرهم.
واليوم، يعيش العالم “لحظة كاساندرا” بامتياز، إلا أن اللعنة هذه المرة أعمق؛ فالخطر ليس في عدم التصديق، بل في أننا فقدنا “أدوات الإدراك” ذاتها؛ إذ تآكلت قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والزخم المعلوماتي الذي يُسطّح الوعي ويحول المأساة إلى مشهد عابر.
نحن لا نواجه حصاناً خشبياً واحدًا، بل بنية عالمية تتهاوى لأننا استبدلنا الدبلوماسية بالمقامرة، واليقين بعشوائية يقودها، في كثير من الأحيان، قادة تآكلت لديهم “عقلانية الرعب” نتيجة انغماسهم في فقاعات افتراضية تعزلهم عن التبعات المادية لقراراتهم.
تلك القوة التي حفظت العالم من الانتحار الجماعي سابقاً لم تكن الأخلاق، بل كانت الخوف من الفناء المتبادل. لكن هذا الخوف تآكل اليوم ليحل محله انفصال النخب عن الواقع؛ حيث تحول السلاح النووي من “أداة منع” إلى “ورقة ضغط” في لعبة تفاوضية خطرة.
يعكس هذا التحول غياب مخيلة الكارثة لدى صناع قرار لم يختبروا ويلات الحروب الكبرى، فصاروا يجرؤون على المقامرة بالبشرية كأنها جولة في لعبة افتراضية.
ومع ذلك، لا يمكن لوم العشوائية وحدها؛ فالرعب الحقيقي يكمن في العقلانية الأداتية التي تختزل الوجود الإنساني في كفاءة الوسائل التقنية، محولةً القيم الأخلاقية إلى معادلات رياضية باردة، حيث تُحسب بدقة مذهلة كلفة الدمار المادي وسرعة الإنجاز العسكري، بينما يسقط من الحسابات وزن الروح البشرية باعتبارها مجرد “ضجيج” يعيق سلاسة الأرقام وقسوة النتائج.
إن ما نراه اليوم، من سهوب أوروبا إلى مضايق الشرق الأوسط، ليس مجرد صراعات منفصلة، بل هو انهيار كامل لمنطق القرار العقلاني. أصبح العالم مترابطاً بطريقة مرعبة؛ فالحركة العسكرية في “كييف” تترجم فوراً إلى أزمة خبز في “بيروت” أو تهديد ملاحي في “مضيق هرمز”، مؤكدةً حقيقة وحدة المصير في الكارثة.
وفي هذا السياق، لم تعد التكنولوجيا وسيلة حماية، بل أداة لعزلنا عن بشاعة الواقع عبر “القتل النظيف”؛ لقد تحول الدم إلى بيانات رقمية نتابعها ببرود، مما خلق فجوة أخلاقية بين من يضغط على الزر وبين الضحية.
وبواسطة الدرونات والذكاء الاصطناعي، تحول القتل إلى إجراء تقني روتيني تديره خوارزميات صماء، حيث يقرر موظفون خلف الشاشات مصائر شعوب كاملة، في تجسيد حي لـ “تفاهة الشر”؛ ذلك الشر الذي لا يحتاج لمجرمين ساديين، بل يكتفي بموظفين “منضبطين” يمارسون الإبادة كواجب وظيفي بارد، بعيداً عن ملامسة آثار نيرانهم.
وسط هذا الضجيج الاستراتيجي، يغيب “الإنسان الفرد” ويتحول إلى “تجريد بارد”. ننسى تلك الأم في غزة التي تحرس أحلام أطفالها تحت سقف آيل للسقوط، أو ذاك الجندي في أوكرانيا الذي يقضي في خندق بارد، أو ذاك المدني في طهران الذي يدفع ثمن صراعات لا يد له فيها.
هؤلاء ليسوا أرقاماً إحصائية، بل هم الحقيقة الوحيدة المتبقية في هذا العالم الزائف. إن مأساة العصر هي أن “الإنسان صار أصغر من الخريطة”، وأن حياته باتت مجرد تفصيل ممل في خطابات “مهندسي الخراب البارد”.
إننا لسنا ضحايا لقدر أعمى، بل نحن شركاء في هذه الكارثة بصمتنا وبقبولنا منطق “القوة هي الحق”.
الحصان الخشبي صار في قلب غرفنا، والنيران بدأت تلامس الجدران. السؤال الآن ليس هل سنستيقظ، بل هل بقي فينا ما يستحق الإنقاذ؟ ربما لم تكن لعنة كاساندرا في أن أحداً لم يصدقها، بل في أنها كانت الوحيدة التي تملك شجاعة الرؤية في عالم أدمن العمى. فهل نجرؤ اليوم على استعادة “عقلانية الخوف” التي تقدس الحياة، أم أننا بتنا نفضل الصمت المطبق الذي يسبق الانفجار الأخير؟
