خطة ترامب” لإنقاذ لبنان: طريق ثالث أم وهم جديد؟

بقلم الياس عيسى الياس

​بينما تغلي المنطقة فوق صفيح من الأوهام والدم، يطل علينا توماس فريدمان بمقال يقطر مرارة، نشره يوم أمس 21 نيسان 2026 في “نيويورك تايمز”. الكاتب المخضرم لا يبكي فيه على لبنان الجريح وحده، بل على إسرائيل التي يرى أنها فقدت بوصلتها الأخلاقية والسياسية في آن واحد. هو لا يتحدث من فراغ، بل يقرأ في كتاب السقوط الذي يخطه بنيامين نتنياهو وحلفاؤه؛ هؤلاء الذين يبدو أنهم لم يقرأوا تاريخاً ولم يتعظوا من جغرافيا.

​يبدأ فريدمان مقاله بمشهدين “سرياليين” يعكسان واقعاً مأزوماً. الأول لجندي إسرائيلي يحطم بمطرقته تمثالاً للمسيح في قرية “دبل” الجنوبية، محطماً معه كل ادعاءات “القيم المشتركة” مع الغرب. والثاني لوزراء يفتتحون مستوطنة في الضفة الغربية، في تحدٍ سافر حتى لدونالد ترامب الذي أعلن سابقاً رفضه للضم. يبدو أن نتنياهو يعتقد أن ترامب في جيبه الصغير، وهو رهان محفوف بأوهام كبيرة.

​نتنياهو يمارس سياسة “المطرقة”؛ يضرب في كل اتجاه دون تصور لليوم التالي. لكن الحقيقة التي غابت عن فريدمان هي أن هذه المطرقة ليست فعلاً عشوائياً، بل هي استراتيجية واعية لتفتيت الواقع وإعادة تشكيله بالقوة، لا لإدارته، وفرض وقائع تجعل التسويات لاحقاً بلا معنى. إنها “استراتيجية اليأس” التي تسعى لخلق فوضى تمنع قيام أي كيان فلسطيني أو استقرار أي دولة جارة، ظناً أن السلاح وحده يصيغ المستقبل.

​وعندما يبدأ أصدقاء إسرائيل التقليديون في واشنطن، مثل رام إيمانويل، بالتشكيك في جدوى الدعم العسكري، فاعلموا أن “الابن المدلل” بدأ يفقد رصيده في أوساط متزايدة من التيار الديمقراطي والشباب الأمريكي، الذين سئموا دفع فواتير حروب لا تخدم سوى بقاء “بيبي” في السلطة.

​لكن المثير هو طرح فريدمان لما يسميه “خطة ترامب لإنقاذ لبنان”: انسحاب إسرائيلي كامل مقابل دخول قوات من حلف شمال الأطلسي “الناتو” بالتعاون مع الجيش اللبناني. يزعم فريدمان أن نتنياهو، رغم تشكيكه في المؤسسات الدولية، قد “يثق” بقوات الناتو كضمانة أمنية صلبة لا يجرؤ حزب الله على اختراقها. فريدمان يرى أن لبنان هو حجر الزاوية في أي استقرار إقليمي؛ فإصلاح حال “بلاد الأرز” يعني تجفيف منابع التصعيد، وتحويل الجنوب من برميل بارود إلى منطقة سيادة حقيقية. وهو يعتقد أن ترامب قد يجد في إنقاذ لبنان “إنجازاً تاريخياً” ينهي حقبة الغزوات السبع الفاشلة منذ عام 1979، وهي الغزوات التي لم تجلب لأمن إسرائيل سوى المزيد من الصواريخ، ولم تترك للبنان إلا الندوب وتراكم السلاح العابر للحدود. فريدمان يضع الدولة اللبنانية اليوم وجهاً لوجه أمام مسؤولياتها التاريخية، بعيداً عن الوصاية الإيرانية أو الاختراقات الإسرائيلية المستمرة التي لم تجلب إلا الدمار.

​هذا الطرح، رغم جاذبيته الورقية، يصطدم بجدار الواقع. فهل حلف “الناتو”، المنشغل بعمق في الحرب الأوكرانية، مستعد لزج جنوده في “مفرمة” الجنوب؟ وكيف سيقبل لبنان، بتركيبته المعقدة، دخول قوات دولية بهذا الحجم؟ والأخطر من ذلك: ماذا لو تحوّل وجود الناتو نفسه إلى عنصر اشتباك جديد بدل أن يكون عامل استقرار؟

​يراهن فريدمان على قيادة “عاقلة” في بيروت، متمثلة في الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، كفرصة للعبور نحو ضفة الأمان. لكنه يتجاهل أن “حزب الله” ومن خلفه طهران لن يسلموا مفاتيح الجنوب للناتو بـ “سلام” كما يتخيل. كما يتجاهل أن نتنياهو لا يبحث عن شركاء، بل عن “ساحات” تبرر هروبه من الاستحقاقات السياسية.

​إن مقال فريدمان هو جرس إنذار، ودعوة لترامب لكي يكون “رجل الصفقات” الحقيقي الذي يلجم جنون اليمين الإسرائيلي. قد لا تكون “خطة الناتو” قابلة للتطبيق بضربة ساحر، لكنها تكشف حقيقة أعمق: أن المنطقة لم تعد تحتمل تكرار الوصفات الفاشلة، وأن كلفة الجمود باتت أغلى بكثير من كلفة المغامرة في طريق السلام.

​في النهاية، يبقى لبنان الضحية الكبرى وهو شرط أي حل قادم. وبين مطرقة نتنياهو وأوهام فريدمان، تبرز الحاجة إلى حل يستعيد سيادة بلاد الأرز؛ بعيداً عن مطارق الخارج، وعجز الداخل الذي لم يعد يُحتمل، ولم يعد يُبرَّر، ولم يعد يُغتفر.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top