
بقلم الياس عيسى الياس
يستوقف القارئ في صحيفة “نيويورك تايمز” مقال للكاتب روس داوثات، لا لمجرد كونه يتناول العلاقة الأميركية-الإسرائيلية، بل لكونه يغوص في منطقة رمادية نادراً ما يقترب منها المحافظون في واشنطن.
داوثات يطرح تساؤلاً جوهرياً يتجاوز ضجيج المعارك: هل نعيش اليوم لحظة انكسار “الهالة” التي أحاطت بإسرائيل في الوجدان الأميركي لعقود؟ فالأمر بالنسبة إليه لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل هو تحول بنيوي يطال الأجيال الشابة، التي بدأت ترى في تل أبيب عبئاً سياسياً ومعنوياً، بعد أن كانت لزمن طويل “الابن البار” للمنظومة الغربية في الشرق الأوسط.
يرى داوثات أن التحول في الرأي العام الأميركي، ولا سيما بين الديمقراطيين والشباب، ليس مجرد نتاج “بروباغندا” مضادة، بل هو نتيجة للطريقة التي أديرت بها العمليات العسكرية في غزة، والتشجيع الذي أبداه بنيامين نتنياهو لجر واشنطن إلى مواجهة أوسع مع إيران.
وهنا نصل إلى لبّ المفارقة؛ فالمدافعون عن إسرائيل لا يتوقفون عن طرح سؤالهم الأثير الذي يحمل قدراً من استغباء الذاكرة: «لماذا تضعوننا تحت المجهر الأخلاقي أكثر من غيرنا؟». والرد، كما يستنتج داوثات بذكاء، يكمن في بضاعة إسرائيل التي روجت لها هي نفسها لعقود؛ فالمواطن الأميركي لم يتعلم في مدرسته تاريخ دول أخرى في المنطقة كجزء من كيانه الثقافي، بل لُقِّن قصة إسرائيل وتاريخها كفصل مكمل للسيرة الغربية المشتركة.
إن هذا التساؤل الإسرائيلي الاستنكاري يتجاهل حقيقة بسيطة: إسرائيل التي طالما قدمت نفسها للغرب كـ «نور للأمم» وواحة وحيدة للديمقراطية، لا يمكنها اليوم أن تحتج حين يصدقها الناس ويحاكمونها فعلاً بموجب تلك الادعاءات! هذا القرب العاطفي المفتعل هو الذي انقلب اليوم على صاحبه؛ فالأجيال الأميركية الجديدة تمنح نفسها الحق في محاسبة إسرائيل بقسوة، لا لشيء إلا لأنها توقفت عن اعتبارها «دولة أخرى» في البعيد، بل رأت فيها جزءاً من بيتها القيمي.. ومن يطالب بالجلوس في صدر البيت الأميركي والتمتع بامتيازات «الابن البار»، لا يمكنه أن يطالب بمعاملته كـ «الغريب» البعيد حين تبتعد أفعاله عن تلك القيم التي صدع بها رؤوس حلفائه.
والمفارقة التي لا تغيب عن عين المتابع، هي أن إسرائيل طالما استثمرت في هذه “الخصوصية” لتنال معاملة تفضيلية، لكنها اليوم تكتشف أن لهذه العملة وجهاً آخر؛ فالخصوصية تعني أيضاً المراقبة اللصيقة والمساءلة العلنية. لا يمكن لتل أبيب أن تطلب أن تُعامل كـ “واحة للديمقراطية” في الصباح، ثم تتبنى سياسات خشنة في المساء وتتوقع من العالم أن يتجاهل التناقض.
هذا الانفصام بدأ يولّد حالة من الاغتراب حتى لدى فئات من الجالية اليهودية في أميركا، التي تجد نفسها أمام خيارات صعبة بين قيمها الليبرالية وبين توجهات حكومة يمينية تبدو وكأنها توظف التصعيد العسكري في سياق حسابات سياسية داخلية.
بطبيعة الحال، يرى مؤيدو إسرائيل في واشنطن أن هذه الضغوط تفتقر إلى الواقعية، ويؤكدون أن سياسات تل أبيب تأتي في سياق تهديدات أمنية وجودية لا يمكن مواجهتها بالقفازات الحريرية. ويشددون على أن إسرائيل لا تزال تمتلك جذوراً عميقة في المؤسسات الأميركية، ومصالح استراتيجية تجعل من أي حديث عن “فك ارتباط” أمراً سابقاً لأوانه.
لكن الخطر الذي يلوح في الأفق ليس انقطاع الدعم العسكري، بل تآكل “الشرعية المعنوية” التي كانت المحرك الفعلي لذلك الدعم. فثمة انطباع متزايد بأن الخطاب القومي المتشدد في إسرائيل بات يبتعد مسافات شاسعة عن لغة “القيم المشتركة” التي بني عليها التحالف التاريخي.
لقد أصاب داوثات كبد الحقيقة حين أشار إلى ما يمكن تسميته «العذر الاستشراقي»؛ وهو نوع من النفاق الثقافي الذي طالما صبّ في مصلحة إسرائيل. فالعقل الغربي كان يمنح دول المنطقة «عذراً» لتتصرف بخشونة وبراغماتية فجّة، بحجة أنها دول «شرقية» لا تلتزم بالضرورة بقيم التنوير، بينما كان يطالب إسرائيل بمثالية «نبل الأخلاق الغربية» لأنها ادعت الانتماء للنادي الأوروبي.
اليوم، يرى الشارع الأميركي أن إسرائيل لم تفقد هذا التميز الأخلاقي فحسب، بل أصبحت تمارس سياسات تصطدم مباشرة مع قيم الفكر التقدمي الحديث. لقد سقطت من الأذهان صورة «دولة داود الصغيرة» التي تكافح للبقاء، وحلت محلها صورة «العملاق العسكري» الذي يعاني أزمة حادة في شرعيته المعنوية؛ فالعالم الذي كان يبرر قسوة الآخرين بجهلهم، لن يبرر لإسرائيل قسوتها وهي التي صدعت رؤوسنا بكونها ابنة الديمقراطية الغربية ووريثة قيمها.
تطرق داوثات أيضاً إلى رغبة البعض في تحويل العلاقة إلى صيغة “مصلحية” صرفة، على غرار علاقات واشنطن بحلفاء إقليميين آخرين. لكنه يشكك في جدوى ذلك؛ فإسرائيل بلا هالة أخلاقية وبلا “قصة” ملهمة، ستتحول في نظر المواطن الأميركي إلى مجرد “حليف وظيفي” بارد يخضع لحسابات الربح والخسارة المجردة. وإذا ما انكسرت هذه الرابطة الوجدانية، فإن التحالف سيظل واقفاً على قدم واحدة، عرضة للاهتزاز عند أول تبدل في المصالح الاستراتيجية الكبرى.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه الواقع الجديد بكل ثقله: هل تستطيع الصهيونية أن تنجو في الوجدان الأميركي إذا ما تجردت من رداء “المظلومية التاريخية” واكتفت برداء “القوة العسكرية”؟ وهل تدرك القيادة الإسرائيلية أن ثمن “الانتصار” الميداني قد يكون خسارة فادحة في رصيدها لدى الحليف الأهم في العالم؟
يبقى التحدي الأكبر أمام تل أبيب هو الإجابة على سؤال مفتوح وخطير: هل يمكن لتحالف تاريخي أن يستمر حين تتآكل ركائزه الأخلاقية في نظر الرأي العام؟ فالتاريخ يعلمنا أن القوة تحمي الحدود، لكن القيم هي التي تحمي التحالفات.
