
بقلم الياس عيسى الياس
في مساء السبت، السادس والعشرين من نيسان 2026، لم تكن الرصاصة التي استهدفت دونالد ترامب خلال عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض في واشنطن مجرد خرق أمني جديد، بل كانت الإعلان الرسمي عن وصول الولايات المتحدة إلى “نقطة الغليان” في مناخ سياسي مسموم.
هذه هي المحاولة الثالثة في غضون عامين؛ فبعد حادثة “باتلر” في ولاية بنسلفانيا في تموز 2024، حين نجا بأعجوبة من رصاصة أصابت أذنه خلال تجمع انتخابي، جاءت “مناورة مارالاغو” في أيلول من العام نفسه لتزيد المشهد تعقيداً؛ ففي تلك الحادثة بفلوريدا، رصدت الأجهزة الأمنية مسلحاً يتربص خلف سياج المنتجع، في محاولة كانت تعكس اختراقاً للمساحة الشخصية الأكثر أماناً لترامب، ما جعل “المنزل” نفسه ساحة محتملة للمواجهة. واليوم، يأتي حادث واشنطن الأخير ليؤكد أن العنف لم يعد استثناءً، بل صار لغة التخاطب الأساسية في غابة السياسة الأمريكية المعاصرة.
إن القصة تبدأ من “الكلمة”، والكلمة في العمل العام ليست ترفاً بل هي ميثاق أخلاقي غليظ.
وحين نستعرض شريط الأحداث، نجد أن لغة التحريض لم تكن عارضاً عابراً في حياة ترامب السياسية، بل كانت الوقود الحيوي لمحركه الجماهيري. وفي هذا السياق، قدم الكاتب جمال بوي قراءة ثاقبة في مقاله المنشور بـ “نيويورك تايمز” في 29 نيسان 2026 تحت عنوان “وحدة دونالد ترامب”، حيث جادل بأن محاولات حلفاء الرئيس لتحميل “خطاب الكراهية الديمقراطي” مسؤولية ما جرى تفتقر إلى التماسك المنطقي.
فالديمقراطيون، رغم كل حدة خصومتهم، التزموا حدود النقد المؤسساتي، بينما كان ترامب هو من شرعن فكرة السلاح والتهديد؛ ولعل أبرز تجليات ذلك كان استحضاره المتكرر لـ “التعديل الثاني” من الدستور الأمريكي، وهو النص الذي يمنح حق حمل السلاح، حيث حوله ترامب من مادة دستورية للنقاش القانوني إلى “شفرة” سياسية توحي بإمكانية التحرك المسلح ضد الخصوم أو القضاة أو حتى نتائج الانتخابات.
لقد فقدت السياسة الأمريكية تلك “الحكمة المحافظة” الرصينة التي كانت تميزها، حين كان القادة يدركون أن المجتمع بناء معقد وحساس، وأن الأعراف غير المكتوبة هي التي تحمي الجميع من الانزلاق نحو الفوضى الشاملة. الرؤساء السابقون مارسوا ضبط النفس ليس لضعف في شخصياتهم، بل لإدراكهم التاريخي بأن كلمة الرئيس هي بمثابة “أمر عمليات” غير مباشر لآلاف المحبطين أو المختلين الذين ينتظرون إشارة للتحرك.
أما ترامب، فقد تعامل مع السلطة بعقلية نجم “تلفزيون الواقع”، حيث “الأكشن” والصدام يرفعان نسب المشاهدة، غير مكترث بأن هذه الإثارة تُدفع أثمانها دماً حقيقياً، كما رأينا في الاغتيال الصادم لرئيسة مجلس نواب ولاية مينيسوتا السابقة، ميليسا هورتمان، وزوجها في صيف 2025، أو مقتل تشارلي كيرك، الناشط اليميني البارز، خلال فعالية في ولاية يوتا أواخر العام الماضي.
ولعل أبلغ صورة لهذه الحالة النفسية والمكانية هي رد فعل ترامب عقب محاولة السبت الماضي، حين طالب بإنشاء قاعة احتفالات ضخمة ومحصنة داخل البيت الأبيض. إنها ليست مجرد نزعة لعظمة فرعونية تحاكي قصور الملوك الغابرين، بل هي تعبير صارخ ومجرد عن “الخوف”.
يعيش ترامب اليوم داخل فقاعة ذهبية محكمة الإغلاق، معزولاً عن الشارع وعن نبض الناس العاديين، ينتقل من منتجع محصن إلى طائرة خاصة تحت حراسة عسكرية مشددة. إنه رئيس يخشى العالم، ولكن المأساة الحقيقية تكمن في أنه يخشى العالم الذي ساهم هو نفسه في بنائه وتشييد أركانه؛ ذلك العالم الذي صار فيه “العدو من الداخل” مصطلحاً يومياً، وحيث لم يعد للقانون أو العرف سلطة لجم الغضب الجامح.
إن عشر سنوات من التحريض الممنهج أنتجت مناخاً صار فيه العنف هو الخيار الأول “والأكثر فعالية” للتغيير لدى فئات واسعة من الجمهور. وترامب، بصفته الشخصية الأكثر ضجيجاً وحضوراً في الذاكرة الجمعية، تحول بفعل هذا المناخ إلى هدف لنفس الآلة التي غداها بكلماته ومنشوراته.
إن “وحدة دونالد ترامب” في عرينه المذهب هي الدرس الأقسى في تاريخ الديمقراطية الأمريكية المعاصرة؛ فالزعيم الذي أراد تحطيم “الدولة العميقة” يجد نفسه اليوم أسيراً لـ “اللا دولة” التي بشر بها، حيث الغلبة للأقوى أو لمن يمتلك الجرأة على كسر المحظور.
وما قاعة الاحتفالات التي ينشدها إلا زنزانة اختيارية مذهبة، سيبقى فيها وحيداً مع صدى كلماته التي ارتدت إليه، محاولاً الهروب من حقيقة أن الوحش الذي أيقظه في نفوس الكثيرين باسم “التعديل الثاني” والقتال من أجل الوطن، لم يعد من السهل إعادته إلى القفص، حتى لو استعان بجدران البيت الأبيض كلها. إنها مأساة رجل يملك كل أدوات القوة، لكنه فقد أغلى ما يملكه القائد: القدرة على المشي بسلام بين مواطنيه دون أن يخشى “الظل” الذي صنعه بيده.
