
بقلم الياس عيسى الياس
استناداً إلى التحقيق الاستقصائي الذي فجره الصحافي الأمريكي “نيكولاس كريستوف” في صحيفة “نيويورك تايمز” بتاريخ 11 مايو 2026، يبدو أن خطاب “واحة الديمقراطية” الذي طالما غلف صورة إسرائيل في الغرب يواجه اليوم اختباراً أخلاقياً عسيراً أمام شهادات مروعة تخرج من عتمة الزنازين.
إن ما كشفه كريستوف ليس مجرد تقرير حقوقي، بل هو مساءلة لـ “ضمير عالمي” انتقائي، يبدو أنه يوزع تعاطفه وفقاً للهوية السياسية للضحية.
حيث ينطلق الكاتب من فرضية أخلاقية بديهية مفادها وجوب الاتحاد في إدانة الاغتصاب كقاعدة إنسانية لا تقبل التأويل، غير أن المفارقة التي يرصدها تكمن في “ازدواجية المعايير”.
فبينما ضجت العواصم الكبرى بالتنديد بالانتهاكات التي طالت نساءً إسرائيليات في السابع من أكتوبر، يواجه العالم اليوم، بصمت مريب، ما تصفه تقارير حقوقية دولية بأنه نمط من العنف الجنسي الممنهج الذي يمارسه الاحتلال ضد الفلسطينيين من رجال ونساء وأطفال.
وفي شهادات وثقها كريستوف ميدانياً، يبرز اسم الصحافي “سامي الساعي” الذي روى تفاصيل تجربته القاسية في أقبية السجون، حيث لا يتحدث الساعي عن عنف تقليدي، بل عن ممارسات وصفتها تقارير للأمم المتحدة بأنها أصبحت “إجراءات تشغيل قياسية” تهدف إلى إذلال الجسد الفلسطيني وكسر روحه.
وحين تُستخدم الأدوات الصلبة في عمليات اعتداء جسدي، ويُسجل التحقيق حالات تحرش يمارسها محققون بدم بارد، نجد أنفسنا أمام تساؤلات جدية حول تحول التعذيب من “تجاوزات فردية” إلى ما يشبه “العقيدة المؤسساتية” المتبعة لسحق إرادة المعتقلين.
إن ما أورده التحقيق حول استخدام الكلاب البوليسية في عمليات اعتداء، أو إجبار المعتقلين على التعري لابتزازهم، يعيد إلى الأذهان حقبة “أبو غريب”، لكن الفارق الجوهري الذي يسلط كريستوف الضوء عليه هو غياب المحاسبة.
ففي الوقت الذي تُثار فيه ضجة كبرى حول أي انتهاك في سياقات أخرى، نجد أن بعض الجنود المتهمين بمثل هذه الممارسات في إسرائيل قد حظوا بدعم علني من تيارات سياسية متطرفة، في ظروف أثارت انتقادات حقوقية واسعة بعد إسقاط التهم عنهم، مما يمنح غطاءً ضمنياً لاستمرار هذه الانتهاكات.
ولا يمكن عزل هذه الشهادات عن المناخ السياسي العام في تل أبيب، فعندما يستخدم مسؤولون لغة تصف الأسرى بأوصاف تجردهم من بشريتهم، فإنهم يمهدون الطريق، نفسياً ووظيفياً، لنمو ثقافة التنكيل دون رادع أخلاقي.
فالتجريد من الإنسانية هو الوقود الصامت لآلة التعذيب؛ إذ حين يُنزع عن الضحية صفتها البشرية، يصبح جسدها “مساحة مباحة” للانتهاك، وتصبح صرخاتها مجرد ضجيج لا يستدعي التوقف أو المساءلة.
وهنا يلفت المقال النظر إلى بُعد اجتماعي ونفسي بالغ القسوة، فالاحتلال يعمد إلى ممارسة ما يمكن تسميته “الجريمة المزدوجة”؛ فهو يغتصب الضحية جسدياً أولاً، ثم يغرس خنجر الصمت في قلب عائلتها ومجتمعها.
يدرك الاحتلال جيداً الحساسيات الاجتماعية التي قد تدفع الضحية إلى كتمان ألمها خوفاً من الوصمة، في استغلال خبيث للمنظومة القيمية لضمان بقاء الجريمة طي الكتمان وتحويل الألم الشخصي إلى سجن داخلي مؤبد.
أما السؤال الذي يطرحه كريستوف بجرأة، فهو موجه بالدرجة الأولى إلى المجتمع الدولي والقوى الداعمة: أين تذهب تلك الشعارات المنادية بحماية الكرامة البشرية؟
إن الصمت عن هذه الممارسات الموثقة لا يمكن تفسيره كحياد سياسي، بل كشراكة غير مباشرة في تغييب العدالة؛ فحين يُحرم الأسرى من زيارات الصليب الأحمر، وتُستخدم التهديدات الجنسية كأداة لابتزاز الناشطين، تسقط الادعاءات حول “التفوق الأخلاقي” وتنكشف عورة النظام الدولي.
ومع ذلك، يظل السؤال قائماً حول شجاعة الضحايا في الحديث، فلماذا يقرر صحافي تعرض لتنكيل وحشي أن يتكلم رغم التهديدات؟ الجواب يكمن في شعور عميق بالمسؤولية تجاه “من لا يزالون في الداخل”.
هؤلاء هم الذين كتب من أجلهم كريستوف، والذين يجب أن تظل قضيتهم في صدارة العمل الصحافي الذي يرفض التعامي عن الحقيقة.
إن معركة الكرامة الفلسطينية اليوم تخوض اختبارها الأصعب في مواجهة الحصانة الدولية، وما كشفته “نيويورك تايمز” هو مرآة وضعت أمام وجه العالم، لتكشف بشاعة الصمت حيال ما يُرتكب في غياهب الزنازين.
هناك، ترتد صرخة بنيامين نتنياهو الشهيرة التي وجهها للعالم يوماً: “أين أنتم بحق الجحيم؟”، لتصف اليوم حال الضمير العالمي أمام صرخات تبتلعها جدران السجون.
فهل يجرؤ العالم على النظر في هذه المرآة، أم سيظل يفضل العيش في سراب الديمقراطية التي تحرسها الهراوات؟
