البطريرك الحويك: هل لا نزال نؤمن ب”لبنان-الرسالة”؟

بقلم الياس عيسى الياس

​غداً، في السابع عشر من أيار الحالي، ومع صدور مرسوم تطويب البطريرك إلياس الحويك، نجد أنفسنا أمام ما هو أبعد من الرتب الكنسية؛ نحن أمام نافذة رجاء تستعيد جوهر التجربة اللبنانية في أدق لحظات انكسارها. الحويك لا يُكرّم اليوم كرمز لطائفة، بل كأحد أبرز مهندسي الفكرة اللبنانية الحديثة، التي جعلت من هذا الوطن ضرورة حضارية في شرق مضطرب، لا مجرد نتاج جيو-سياسي رُسم بالصدفة.

​إن العودة إلى زمن الحويك هي عودة إلى لحظة التأسيس التي تداخل فيها البعد الروحي مع مشروع بناء الدولة. ففي أروقة مؤتمر الصلح بباريس عام 1919، لم يكن البطريرك يطالب بمكاسب فئوية، بل كان يحمل مشروع وطن يسع الجميع. وحين نستذكر رهنه لصليبه الذهبي لإطعام الجائعين خلال المجاعة الكبرى، فنحن لا نتحدث عن إحسان عابر، بل عن فلسفة ترى أن كرامة الإنسان ورغيفه هما المعيار الأسمى لمفهوم القيادة؛ فالسلطة في عرفه هي بذل الذات في سبيل الآخر، كل آخر، دون تمييز.

​وفي هذا السياق، تلفت المؤرخة الفرنسية إليزابيث بيكار إلى دور الحويك الاستثنائي في تحويل المؤسسة الدينية إلى قوة دفع لمأسسة الدولة الحديثة. فقد نجح في انتزاع اعتراف بـ “لبنان الكبير” ككيان سياسي مستقل، متجاوزاً الانغلاق الضيق نحو أفق الدولة الجامعة. لقد آمن الحويك بأن استقرار هذا الوطن يكمن في قدرته على أن يكون “عقداً اجتماعياً” يضمن التوازن والاعتراف المتبادل بين مكوناته. وبذلك، استطاع تحويل التنوع من عبء إلى ثروة، ومن حالة تصادم إلى تفاعل حي ومنتج.

​وفي قراءة موازية، لطالما أشار المؤرخ كمال الصليبي إلى أن لبنان لم يكن ليقوم لولا تلك الإرادة الصلبة في التمسك بالخصوصية التعددية. وبإسقاط هذه الرؤية على نهج الحويك، نجد أن البطريرك كان يمارس واقعية وطنية تنبع من فهم عميق لتركيبة المنطقة؛ فقد أراد للبنان أن يكون “بيتاً بمنازل كثيرة” كما وصفه الصليبي، تسكنه الحرية وتُحرس فيه كرامة الإنسان قبل أي اعتبار آخر.

​اليوم، وفيما تتبدل خرائط المنطقة بسرعة مقلقة، يعود الحويك كأنه يسأل اللبنانيين عما إذا كانوا لا يزالون يؤمنون بفكرة دولتهم. نحن نعيش اليوم صداماً وجودياً بين منطق “الأب المؤسس” الذي أراد الدولة حصناً للسيادة وملاذاً للحرية، ومنطق آخر يحاول اختزال لبنان إلى مجرد “ورقة نفوذ” تخدم استراتيجيات عابرة للحدود. ومن الخطورة بمكان أن يُفرغ النموذج اللبناني من محتواه السيادي الفريد في وقت يشتد فيه الانهيار.

​إن لبنان، كما أراده الحويك، هو “دولة خيارات لا دولة إكراهات”. هو الكيان الذي يرفض أن يُساق كرهينة لمحاور لا تشبه نسيجه التعددي. وبناء الأوطان في فكره لم يكن يوماً استجداءً للحماية من الخارج، بل كان تلاحماً نابعاً من إرادة الحياة المشتركة في الداخل؛ فالسيادة الحقيقية تبدأ حين يقرر أبناء الوطن أن أحلامهم أغلى من أن تُحرق في صراعات عبثية لا تعبّر عن وجدانهم.

​تطويب الحويك هو رسالة تذكير بأن لبنان يظل حاجة أخلاقية لهذا العالم، ودمار نموذجه هو خسارة للإنسانية جمعاء. هذا الحدث هو صرخة تؤكد أن هذا الوطن لا يمكن أن يستمر إلا كدولة سيدة، منفتحة، وعصية على التبعية أو الإلحاق.

​يظل الحويك هو البوصلة التي نعود إليها كلما تاه المعنى. واختياره لقرية “عبرين” مقراً لرفاته هو تأكيد على أن العظمة الحقيقية تكمن في الخدمة والتجرد. تطويبه اليوم هو اعتراف بأن “فكرة لبنان” لا تزال حية وتستحق الدفاع عنها بكل ما أوتينا من إرادة؛ فالحويك أعطانا أمانة، واليوم تقع علينا مسؤولية إنقاذ روح هذا الوطن قبل أن يفقد المعنى الذي قام عليه.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top