الجيل الذي فوّض عقله للشاشات

بقلم الياس عيسى الياس

يتخرّج هذا العام من جامعات العالم، ومن قاعات المحاضرات التي تكابر في بيروت، جيلٌ لم يعرف الحياة الأكاديمية إلا وأصابع التكنولوجيا الفائقة تتسلل إلى أدق تفاصيل يومياته. لا نتحدث هنا عن مجرد امتحانات تُجرى خلف شاشات، بل عن مسلك تفكير كامل، وأسلوب صياغة، وبناء لغوي بات يُستعار بنقرة زر واحدة. من إعداد الأطروحة إلى تفكيك النص، وصولاً إلى صياغة رسالة عاطفية، أصبح التوكيل هو السيد. يدخل الطالب القاعة محملًا بأحلام التكوين المعرفي، ويخرج منها بامتياز وفي جيبه شهادة، لكنه يقف أمام المرآة ليسأل نفسه: هل تعلمتُ شيئاً حقاً، أم أتقنتُ فن إدارة الأجهزة التي تتعلم بدلاً مني؟ هذه الإجابة المزعجة تتهرب منها المؤسسات الأكاديمية ويداريها الطلاب، لأنها تضع الوعي البشري برمته أمام مرآة عارية.

​ما يشهده التعليم العالي اليوم يتجاوز أزمة غش تقليدية يمكن ضبطها بمراقبين إضافيين أو برمجيات كشف الانتحال. إننا نعيش تحوّلاً أنطولوجياً عميقاً: تراجع الإنسان الطوعي عن الفعل الذهني، وتسليمه التدريجي لآلة تفكّر وتكتب وتستنتج نيابة عنه. الخديعة هنا أن هذا التسليم مريح وعملي للغاية، ويوفر الوقت ويهب الطمأنينة. لكن القوانين البيولوجية والفكرية صارمة؛ فالعضلة التي لا تُستخدم تضمر، والعقل الذي لا يصطدم بالصعوبة لا ينمو. الطالب الذي يصل إلى الإجابة النموذجية دون عذاب السؤال، يكون قد نال وثيقة تخرّج رسمية، لكنه لم يمرّ بوعكة التعلم التي تصنع الوعي.

​هناك فارق وجودي بين استخدام الأداة والذوبان فيها. لقد اخترع الإنسان الآلة الحاسبة واستخدم محركات البحث، دون أن يتخلى عن فضول المعرفة أو ملكة التحليل. أما ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي التوليدي فمختلف تماماً؛ فالآلة لا تعطيك معلومة مجردة لتكمل بها بناءك الفكري، بل تؤدي عنك العملية الذهنية برمتها. إنها تسقط الحاجة إلى أن تصوغ أنت السؤال أصلاً، فتحيل العقل من صانع للأفكار إلى مجرد متلقٍ كسلان.

​والأدهى هو التطبيع الأخلاقي الذي يتسلل بنعومة، حيث أعيد تعريف المفاهيم بصورة مشوهة. الطالب الذي يوقّع إقراراً خطياً لجامعته بأنه أنجز فرضه بجهده الشخصي، بينما نافذة المحادثة مع الروبوت مفتوحة على شاشته، لم يعد يشعر بوخز ضمير. لقد تصالح مع الفكرة عبر قَلْب المصطلحات؛ فالغش الصريح أضحى “توظيفاً ذكياً للأدوات المتاحة”، والكسل الفكري صار “كفاءة في إدارة الوقت وضغوط الحياة”. وحين تتبدل المصطلحات، تنزلق منظومة القيم بأكملها.

​هذا الانزلاق لم يعد حكراً على أروقة الجامعات، بل تمدد ليتسلل إلى مطابخ القرار الإعلامي ومنصات التحليل النخبوي. والساحة اللبنانية شهدت تجلياً صارخاً لهذه الفضيحة الرقمية؛ إذ يستحضر المتابعون الحادثة المدوية للإعلامي نديم قطيش، حين نشر عبر حساباته تحليلاً سياسياً تناول فيه خطاب الرئيس سعد الحريري الموجه إلى الحشود في ساحة الشهداء، خلال إحياء ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري. المفارقة الفاضحة لم تكن في لجوء إعلامي شهير إلى الآلة لصياغة موقف سياسي ووجداني بهذه الحساسية فحسب، بل في الاندفاع الأعمى بآلية “النسخ واللصق”؛ حيث فات قطيش أن يزيل النصائح والإرشادات التنبيهية التي تذيل بها خوارزميات “ChatGPT” نصوصها عادة لإرشاد المستخدم.

​تكمن خطورة هذه الهفوة في كونها برهاناً على أن الوباء قد ضرب رأس الهرم الفكري. فإذا كان المحلل الصحافي يرتضي لنفسه أن يقارب حدثاً وطنيّاً يحاكي الوجدان اللبناني عبر وسيط بريدي أصم ينقل ما تمليه عليه إحصائيات الآلة الباردة، فكيف نلوم طالب السنة الأولى؟ إن الصحافة اللبنانية التي قامت تاريخياً على فرادة الأسلوب و”النَّفَس” الخاص بالكاتب، تواجه خطراً وجودياً حين يستسلم نجومها لغواية “الزر الجاهز”. هذه الحادثة تؤكد أن المرآة التكنولوجية لا تعكس هشاشة التعليم فحسب، بل تعكس أيضاً ترهل النخبة التي تقايض رصيدها المهني بوهم السرعة والراحة.

​في المقابل، تبدو ردود فعل الجامعات أشبه بمن يحاول إطفاء حريق غابة بملعقة ماء. فاللجوء التكتيكي إلى الدفاتر الزرقاء التقليدية وإجبار الطلاب على الكتابة يدويّاً تحت الرقابة، يعكس حالة من الارتباك الأكاديمي، وكأننا نرتد قرناً إلى الوراء هرباً من الطوفان الرقمي. هذا التراجع لا يعالج جذور الأزمة، لأن المشكلة ليست داخل قاعة الامتحان، بل في الذهنية التي يحملها الطالب؛ هل ما زال يرى في المعرفة غاية في ذاتها، أم مجرد وسيلة براغماتية للحصول على ورقة تفتح له باباً وظيفياً؟ وإذا كانت الورقة متاحة عبر طرق مختصرة، فلماذا يسلك الطريق الطويل؟

​الذكاء الاصطناعي لم يفسد التعليم، بل كان بمثابة مرآة صقيلة أظهرت بوضوح ما كان مختبئاً تحت السطح من هشاشة في الدوافع وغياب للشغف المعرفي. لقد عرفت الأجيال السابقة معنى أن يصارع الباحث نصاً صعباً لساعات حتى يستسلم، ومتعة أن يكتب مسودة أولى رديئة ثم يعيد تشذيبها حتى تستوي فكرة ناضجة. في تلك المصارعة الفكرية كان التعلم الحقيقي يحدث. أما أن تُسلّم الفكرة الخام لآلة صماء وتتسلّم منها منتجاً نهائياً أنيقاً، فهذا سلوك يشبه تماماً أن يستأجر شخص ما متسلقاً محترفاً ليصعد الجبل بدلاً منه، ثم يكتفي بنشر صورة شخصية من القمة ليدعي مجداً لم يختبر وعورته.

​إننا لسنا أمام سؤال تقني عابر حول كيفية تطوير أدوات الرقابة، بل نحن مواجهون بسؤال حضاري مقلق: ماذا يعني أن يتعلّم كائن بشري اليوم؟ وماذا يتبقى من معنى للتفكير الإنساني إذا تخلّينا عن مشقته؟ وإذا كانت الآلة قادرة على أداء كل الوظائف الذهنية التي كنا نعتقد أنها ميزتنا الحصرية، فبماذا سنميّز أنفسنا؟ ليس الحل في إعلان الحرب على التكنولوجيا، فهذا ضرب من الوهم؛ بل في استعادة الوعي بأن الصعوبة ليست عدواً للتعلم، بل هي جوهره، وأن ما يبني الإنسان ليس ما يحصل عليه من نتائج جاهزة، بل تلك المعارك الذهنية الصغيرة التي يكافح من أجلها كل يوم. سيخرج جيل اليوم ومعه أدوات خارقة، لكن السؤال الذي سيلاحقه هو: هل يمتلك هذا الإنسان شيئاً نابعاً من أصالة داخله، أم أن الأداة هي التي باتت تمتلكه؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top