الصحّاف لم يَمُت… إنه يتحدث بلهجة لبنانية!

بقلم الياس عيسى الياس  
 
في نيسان 2003، وقف وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف أمام كاميرات البث العالمية في قلب بغداد. كان الرجل يتحدث بملامح هادئة وبدلة عسكرية منسقة، مؤكداً أن الجنود الأمريكيين ينتحرون بالآلاف على أسوار العاصمة.
 
المفارقة لم تكن في تصريحاته الفجّة فحسب، بل في أن شاشات التلفزة كانت تنقل في اللحظة ذاتها، وعبر بث حي ومباشر، لقطات للدبابات الأمريكية وهي تتجول في مطار بغداد وتتقدم نحو ساحة الفردوس. أصوات القذائف كانت تُسمع من خلف الوزير بوضوح، بينما هو يصر على أن الغزاة يلفظون أنفاسهم الأخيرة.
 
لم يكن الصحاف مجرد مسؤول يمارس الدعاية في وقت الحرب. تحول الرجل إلى ظاهرة بسبب قاموسه اللغوي المستمد من التراث العربي القديم. دخلت مفردته الشهيرة “العلوج” القواميس الإخبارية الدولية، وعجزت وكالات الأنباء الغربية عن ترجمتها بدقة.
 
صار رمزاً لأسلوب يعتمد على قمع الوقائع بالبلاغة الفصحى. واجه زحف الآليات بعبارات مثل “السم والعلقم”، ووزع ألقاب “الأوغاد والمرتزقة” على قادة التحالف الدولي. كان يخوض معركة لغوية من خلف الميكروفون، معتقداً أن الكلمة تعطل السلاح. 
 
لكن للقصة نهاية لا تقل سخرية عن تلك التصريحات. فبينما كان يدفع بالشبان نحو حتفهم تحت شعار المقاومة حتى الطلقة الأخيرة، لم يكن اسمه مدرجاً في قائمة المطلوبين الخمسة والخمسين التي أصدرتها واشنطن. تعاملت معه القيادة الأمريكية كتسلية تليفزيونية لا يشكل خطراً أمنياً أوعسكرياً. احتُجز لأسابيع قليلة بهدف الاستجواب، ثم أُطلق سراحه لينتقل عبر ترتيبات خاصة مع عائلته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أمضى بقية حياته في صمت تام واعتزال كامل للأضواء.
 
 
هذا الفصام البنيوي يتجسد اليوم بأوضح صوره في كواليس المشهد اللبناني. فبينما تستمر الخطابات الحربية والبيانات الحماسية لـ “حزب الله” في توعد الخصم بالردع وصناعة معادلات جديدة فوق الأنقاض، تكشف القنوات الدبلوماسية الخلفية الصادرة عبر الوكالات العالمية عن واقع شديدالمرارة؛ إذ تنقل تقارير “أكسيوس” استعداداً كاملاً خلف الأبواب المغلقة لقبول وقف فوري وشامل لإطلاق النار يقدمه المفاوض اللبناني الرسمي، بل وإبداء المرونة حيال صيغ ميدانية قاسية تسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بـ”المنطقة العازلة” التي يسيطر عليها جيشها داخل القرى الجنوبية.
 
تتقاطع هذه المفاوضات مع إعلانات البيت الأبيض عن اتصالات لوقف إطلاق النار، لتفضح التنازلات الجوهرية التي طالما خوّن هذا الخطاب كلَّ مَن طالب بربعها. إنه ذات السلوك التاريخي الذي يخضع في الواقع لشروط القوة الصارمة، بينما يصر علناً على إغراق الجمهور بأوهام المنعة الميدانية.
 
والأمر نفسه ينطبق على استجداء الحلول السياسية تحت غطاء الوعيد. في الوقت الذي تبحث فيه القيادة، عبر الوسطاء الدوليين والقنوات الدبلوماسية الخلفية، عن طوق نجاة لوقف إطلاق النار يحمي ما تبقى من الهيكل التنظيمي، تخرج البيانات الرسمية لتتحدث عن زحف وشيك وقرب الصلاة في القدس. هذا المشهد يعيدنا بدقة إلى لحظة سقوط بغداد؛ حيث يُستجدى الحل السياسي في السر، ويُباع الانتصار الشامل علناً.
 
 
الآلية لم تتغير, تغيرت اللهجة فقط. نعيش في بيروت اليوم هذا الإنكار بشكل يومي؛ تدمّر قرى كاملة وتُمسح من الوجود، ويواصل الطيران والتوغل الإسرائيلي توسيع رقعته الميدانية، بينما يخرج من يحدثنا عن ضربات تكتيكية واستدراج للعدو.
 
والخطورة الحقيقية هنا لا تقف عند حدود الماكينة الرسمية، بل في تحوّل هذاالإنكار إلى “مكابرة شعبية” لا تنتهي. تبرز هنا سيكولوجية الممانعة اللغوية التي تمنح البيان الورقي والتهديد اللفظي هيبة عسكرية تفوق دوي الانفجارات، فتقرأ الدمار الشامل بوصفه كميناً استراتيجياً، وتتحايل على مرارة الهزيمة العارية بتحويل اختراق الحدود إلى مجرد لقطة سياحية للعدو، بل يذهب بعضهم إلى تخيير المواطن بين القبول بالفناء أو الرحيل إلىاليابان إن كان يبحث عن الإعمار والثقافة.
 
 
تكمن الكارثة في تحويل المواجهة إلى غاية بحد ذاتها؛ فعندما تسقط معايير الربح والخسارة من الحسابات السياسية، تصبح خسارة المدن وتدمير الاقتصاد مجرد تفاصيل لا قيمة لها في وجه “النصر الإلهي” المفترض. ولأن الواقع عاجز عن تقديم انتصار ملموس، يلجأ هذا الخطاب العقائدي إلى شخصنة الصراع وشيطنة اللبنانيين المعترضين على الحرب، وتصويرهم كجماعة لاهية لا يعنيها سوى السهر والرفاهية، للتغطية على غياب الحجةالعسكرية المتماسكة.
 
 
في النهاية، يُطالَب الجمهور البسيط فوق الأرض بتحمل الكلفة الإنسانيةالباهظة من دمار ونزوح وتشريد تحت مسمى الصمود، بينما تتحصن القيادة في حسابات أمنية معقدة.
 
العودة إلى سيرة محمد سعيد الصحاف ومقارنتها بالواقع اللبناني الحالي ليست ترفاً فكرياً. الفرق الوحيد بين التجربتين هو أن الصحاف استخدم الفصاحة التراثية لتبرير السقوط المروع فدخل التاريخ كظاهرة كاريكاتورية ظريفة، بينما تعيد القوى العقائدية اليوم إنتاج المشهد بشعارات أيديولوجية فضفاضة، يدفع المدنيون والأبرياء ثمنها الغالي من دمائهم ومستقبل أبنائهم.
 
صياغة البيان الحربي ستبقى دائماً أسهل بكثير من مواجهة الواقع.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top