“حزب الله” .. الإبداع في “صناعة الوهم”..

بقلم خالد صالح

يقول الفيلسوف الألماني “فريدريك نيتشيه”: “من المؤكّد أنّ للأوهام لذّة مكلفة، غير أنّ تقويضَ الأوهام أكثر كلفة” ..

منذ إنجاز “التحرير” في العام 2000، بدأ “حزب الله” مسيرة مدروسة بعناية شديدة، الهدف منها تحريف “الحقائق” في عيون أنصاره ومؤيديه ومريديه، وصناعة “سردية” من “الأوهام”، معتمدًا على فهمه العميق لنظرية عالم النفس النمساوي “إدوارد بيرنيز” ابن شقيقة عالم النفس الشهير “سيغموند فرويد” الذي أطلق فكرة بسيطة وخطيرة في وقت واحد وهي “أن الإنسان لايتحرّك دائمًا بالعقل والمنطق، بل كثيرًا ما تقوده رغبات خفية في داخله، خوف، طموح، شعور بالنقص، بناء الهوية أو الرغبة في الانتماء” ..

تقومُ صناعة الوهم على إعادة تشكيل إدراك الناس للواقع، بطريقةٍ مدروسة تجعلهم يتبنون الموقف المطلوب من دون شعورٍ بالإكراه، ولا تحتاجُ هذه العملية إلى أكاذيب صريحة، بقدر ما تحتاجُ إلى إدارةٍ ذكية للمعلومات، وانتقاءٍ دقيق للحقائق، وتقديمها في إطارٍ يخدم الهدف المطلوب.

في الماضي، كانت السيطرة تُمارس عبر الخوف والعقوبة، أما اليوم فتعتمد على الإقناع وصناعة القبول، حيث تُجهّز الروايات وتضخّم الإنجازات وتُقدَّم للجمهور كأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة، وتُكرَّر حتى تتحول إلى قناعاتٍ جماعية يصعبُ نقضها، وهكذا يتراجع التفكير النقدي، ليحلّ محله الانسياق الطوعي خلف الخطابات السائدة ..

مشاعل الحرية

عندما وقعت شركات التبغ الأميركية في أزمة تصريف الإنتاج مطلع عشرينيات القرن الماضي، لجأت إلى “إدوارد بيرنيز” لحل هذا المعضلة، فاعتمد على عدة نظريات في علم النفس وضعها “فرويد” لخلق وسيلة ترويج، خصوصًا أنه عرف كيف يخاطب رغبات الناس ويؤثر فيهم من دون أن يشعروا بذلك، بل استطاع أن يتحكّم بهذا الرغبات بشكل بدّل الكثير من المفاهيم حتى وقتنا الحالي .

لم يحاول “بيرنيز” اقناع الناس بأن السجائر غير مفيدة، بل فعل أمرًا في قمة الذكاء، إذ ربط قضية السيجارة بفكرة أقوى وهي “الحرية”، من خلال تنظيمه لمظاهرة “نسوية” حيث يٌشهرن “السجائر” الممنوعة عليهن تحت اسم “مشاعل الحرية”، فصارت السيجارة رمزًا لتحررهن، حينها قال “بيرنيز”: “إن الجماهير يمكن قيادتها عبر تشكيل رغباتها من دون أن تُدرك حقيقة الأمر” ..

إحدى الأدوات المركزية في “صناعة الوهم” التي اعتمدها “حزب الله” هي خلق “الانتصار”، حقيقي أو مُتخيّل، بحيث يجعلُ بيئته أكثرَ استعدادًا للقبول بالقرارات الصعبة، وعندما يُربط النقد بالتشكيك في الولاء الوطني، يصبحُ من السهل تهميش الأصوات المخالفة، واحتكار تعريف المصلحة العامة، وغالبًا ما يُستخدم هذا الأسلوب لتبرير الإخفاقات الداخلية، فعندما تظهر معالم “الحقيقة” مغايرة للوقائع الدامغة، يُلقى اللوم على المؤامرات أو الظروف الخارجية، ويبدأ معها سيل من الإتهامات “المعدّة مسبقًا” بشكلها وفريق تسويقها، لتبقى الأخطاء البنيوية بعيدة عن المساءلة، فيتحول الانتباه من أصل المشكلة إلى خصمٍ مُصطنع ..

التحريف المدروس

يدرك “حزب الله” أن الهزيمة التي مني بها واضحة وجلية للعيان ولامجال لنكرانها، فاستعاض عنها بفكرة تسويق “الانتصار” من خلال فريق أعلامي جاهز لترويج الفكرة ومخاطبة العقل الباطني لجماهيره، والتمسّك بالسردية والدفاع عنها، سواء عبر وسائل الاعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي، لأن قيادة الحزب أدركت أن الرأي العام يمكن توجيهه عبر تحريك كتلة المشاعر المتحكّمة به، من خلال تضخيم كتلة “الخوف” وتوجيهها نحو الغاية المرسومة، إضافة إلى استدعاء مدروس للهوية والانتماء والرغبات، لصناعة موجة كاملة من التأييد أو الغضب أو التمرد على كل شيء ..

لذلك يُستعمل ما يُسمى بـ “التحريف المدروس” للحقيقة والواقع معًا، إذ تُطرح أمام الجمهور بدائل مُحددة مسبقًا، فيبدو وكأنهم يملكون القرار، بينما هم في الحقيقة يتحركون داخل هامشٍ مغلق، فعلى سبيل المثال، تُقدَّم تحذيرات للمؤيدين والمعارضين على السواء من مغبة “حرب أهلية” أو إطلاق جملة من التهديدات العلنية والتحذيرات الساخطة، تحت مسمّيات “الحقوق” والدفاع عن الأرض والمقدسات، بينما تُخفي قيادة الحزب الحقيقة أنه “فصيل” يتبع جهة خارجية ويتلقى الأوامر منها، وعليه التنفيذ من دون قيد أو شرط، لكي يُبعد الجماهير عن مناقشة هذا الأمر ومدى جدواه أساسًا ..

وفي خطٍّ موازٍ يؤدّي الإعلام “المبرمج” الدور الأبرز في ترسيخ هذه الأنماط، عبر التكرار المستمر للرسائل المزيفة، فالعقل البشري يميلُ إلى تصديق ما يسمعه مرارًا أكثر من تصديقه لأي دليلٍ منطقي، ولذلك أصبحت إعادة البث وسيلةً لتثبيت المفاهيم المشوّهة في الوعي العام، ويُستكمل هذا البناء بسياسة الإلهاء، إذ تُثار قضايا ثانوية لتغطية مشكلاتٍ أكبر، فينشغل الرأيُ العام بنقاشاتٍ هامشية، ويُستنزف الغضب الشعبي في قنواتٍ لا تُحدث تغييرًا حقيقيًا، وبهذه الطريقة يُدار الوعي العام، ويُوجَّه بعيدًا عن جذور الأزمات ..

خداع الجماهير

أشار الكاتب الأميركي “مارك توين” في روايته الشهيرة “الأمير والفقير” بدقة إلى أنّ خداع الناس أسهلُ بكثيرٍ من إقناعهم بأنهم خُدعوا، فالإقرار بالخداع يحتاجُ إلى شجاعةٍ فكرية، بينما الاستمرار في الوهم يمنحُ شعورًا مُريحًا بالأمان، ولهذا تستمر الأكاذيب حتى بعد انكشافها، أما الطبيب الفرنسي الشهير “غوستاف لوبون” فقد أوضح في كتابه “سيكولوجية الجماهير”، أنّ الأفراد داخل الحشد يفقدون استقلالهم في التفكير، ويستجيبون للعواطف أكثر من المنطق، وقد استفادت قيادة “حزب الله” من هذا المبدأ، فطورت أدواتٍ رقمية تستهدف الانفعالات لتوجيه الرأي العام من دون بذل أي عناء يُذكر ..

لقد قال “إبراهام لينكولن”: “تستطيع خداع كل الناس بعض الوقت، وخداع بعض الناس كل الوقت، لكنك لا تستطيع خداع كل الناس كل الوقت”، هذه المقولة تلخص جوهر المسألة، فمهما كانت صناعة الوهم متقنة ستبقى هناك عقولٌ قادرة على كشف التلاعب وتمييز الحقيقة، لأنهم يمثلون الضمير الذي يُوقظ الآخرين من أثر الوهم، ويمنح الحقيقة معناها الحقيقي ..

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top