
بقلم الياس عيسى الياس
في الحادي والعشرين من تموز الحالي، يلتقي رئيس الجمهورية جوزيف عون بنظيره الأمريكي دونالد ترمب في واشنطن.
في الظروف العادية، قد تمر هذه القمة كأي موعد دبلوماسي آخر يُطوى في أرشيف الخارجية، لكن توقيتها الراهن يمنحها بعداً مختلفاً؛ إذ تبدو جزءاً من مواجهة سياسية مفتوحة على كل الاحتمالات، نتنفس غبارها جميعاً في شوارع بيروت.
ولبنان، في هذه اللحظة، يعول بوضوح على هذه الطاولة لانتزاع جدول زمني للانسحابات الإسرائيلية من الجنوب.
وهو تعويل لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى وقائع ميدانية يعاد تثبيتها اليوم؛ حيث يكثّف الجيش اللبناني دورياته وحضوره الشرعي في بلدات”فرون”، “الغندورية”، “قلاوية”، وصولاً إلى “برج قلاوية” و”كفردونين” و”صريفا”.
وحين يتأمل المرء هذه الحركة في قرى الجنوب، حيث اعتاد أهلنا طوال عقود رؤية أكثر من سلطة تتحرك في المكان نفسه، يدرك أن استئناف هذا الحضور وتكثيفه يتجاوز مجرد الإجراء العسكري؛ إنه محاولة حقيقية لترسيخ منطق الدولة، والبحث عن مرجعية وحيدة في إدارة الأمن والسيادة غابت طويلاً عن تفاصيل الحياة اليومية للناس.
لكن المأزق الذي يسبق طائرة الرئاسة إلى العاصمة الأمريكية ليس شروط التفاوض الخارجية، بل هو ذلك الانقسام الداخلي المزمن؛ حيث يبدو المشهد منقسماً بحدة بين اندفاع للتفاؤل بالوعود الأمنية لإدارة ترمب، وتشكيك واسع يستحضر في “اتفاق الإطار” ظلالاً من مناخات اتفاق “17 أيار” عام1983.
وأثناء متابعة هذا السجال العقيم والمكرر، يصعب تجاهل الفكرة المأثورة الفلسفية التي تُنسب عادة إلى هيغل، ومفادها أن الشعوب كثيراً ما تعبر التاريخ من دون أن تتعلم منه شيئاً.
وليس لبنان بلداً يفتقر إلى الذاكرة؛ بل ربما يعاني من وفرة الذاكرة التي تتحول في كل استحقاق إلى انقسام جديد بدلاً من أن تصبح خبرة مشتركة، وهذا التناقض ليس تفصيلاً عابراً.
إن هذا التعثر هو نتاج طريقتنا المأزومة في إدارة مجتمعاتنا، حيث تصطدم رغبتنا البديهية في المواطنة بجدار الهويات الطائفية السميك.
وحين يتراجع منطق الدولة، تبدأ موازين القوة بالتقدم على منطق القانون، وتستعيد علاقة الغلبة حضورها بأشكال مختلفة، ليغدو فائض القوة هو المرجعية الفعلية للحصول على الحقوق، فتتوزع السيادة بين مراكز قوى متنافسة.
ربما لسنا محكومين بلعنة أبدية، لكننا بالتأكيد بارعون في إعادة تدوير أزماتنا بالوجوه والشعارات نفسها.
وحتى التجارب الدولية التي تبدو لنا اليوم مستقرة وعقلانية، لم تولد هكذا؛ فأوروبا نفسها احتاجت إلى حروب أهلية مدمرة وصراعات دينية طويلة قبل أن يصبح الاحتكام إلى المؤسسات والسيادة الدستورية أمراً بديهياً وحامياً للجميع.
التاريخ لا يسير في خط صاعد ومريح، بل ينعطف وينتكس، وما نعيشه في الجنوب وبيروت هو تجسيد صريح لهذا التعثر.
من هنا، تكتسب محادثات الرئيس عون في واشنطن بعداً يتجاوز الحسابات السياسية العابرة؛ فالفرصة الأكثر واقعية اليوم لا ترتبط بمدى ثبات الوعودالخارجية المتقلبة، بل بقدرة المرجعية الرسمية للدولة على تقديم موقف لبناني موحد، يفرمل الانقسامات الداخلية خلف الجيش المنتشر على الحدود.
هذا التوقيت الساخن، برغم كل خطورته، يتيح فرصة نادرة لرؤية عيوب بنيتنا السياسية بوضوح، والبحث عن أساس متين يدعم مشروع الدولة ككيان جامع لا تبتلعه الولاءات الفرعية.
التاريخ لا يكرر نفسه بالضرورة إن وُجدت الإرادة لكسر القالب المعتاد والسير في مسار إنقاذي حاسم.
واللبنانيون اليوم، وهم يرقبون حواجز الجيش في الجنوب وطائرة الرئاسةالمتجهة إلى واشنطن، يقفون أمام اختبار حقيقي: هل يستسلمون مجدداً لعقدة الماضي التي تحاصرهم، أم أنهم مستعدون أخيراً لكسر هذا المنطق العقيم، والعبور الشجاع نحو مواطنة كاملة تحت سقف المؤسسات الدستورية؟
والإجابة عن هذا السؤال لا تُنتظر من الطائرة الذاهبة إلى واشنطن، بل تُصنع في بيروت: حين تتقدم الدولة بصوت واحد إلى طاولة التفاوض، بدل أن تبقى كل طائفة تفاوض شريكها الخارجي على حدة، عندها فقط يمكن الحديث عن كسر حقيقي لعقدة التاريخ.
