
بقلم خالد صالح
بعد حرب تموز 2006 وما تلاها من متغيّرات سياسية وفكرية، نشرت جريدة “النهار” في بداية شهر أيلول مقالة للدكتورة “منى فيّاض” تحت عنوان “أن تكونَ شيعيًا الآن”، هذه المقالة بما فيها تسبّبت حينها بالكثير من الجدل وتعرّضت “الدكتورة فياض” للكثير من النقد بلغ حدّ التجريح والتطاول عليها وعلى كرامتها ..
ليست “المقالة” هدفي!!.. فتفاصيلها نعيشها يوميًا منذ ذلك الزمن، لكنني – وبالإذن من الدكتورة فيّاض – طرحت على نفسي سؤالًا مشابهًا، خصوصًا بعد المهاترات التي شهدتها جلسات مجلس النواب خلال مناقشة “قانون العفو”، ما معنى أن تكون سنّيًا الآن ؟، رغم أنني لا أحبّذ الخطاب الطائفي أو المذهبي ولا الخوض في دهاليزه، لأن الحقيقة التي بلغتها منذ أمدٍ بعيد لامجال لتغييرها أو تبديلها وتتماشى مع المثل الشعبي “كل واحد على دينو الله يعينو”..
في معرض رحلتي للإجابة على هذا التساؤل المشروع، عادت بي الذاكرة إلى موضوع قرأته منذ ما يزيد عن عشر سنوات، أنه في القرن العاشر الميلادي أو ما يوازيه القرن الرابع للهجرة، وفي مدينة “البصرة” تحديدًا، اجتمع مجموعة من الرجال بلا أسماء واضحة، وحتى اليوم لم نعرف أسماءهم ولا هويتهم ولا حتى سيرتهم الذاتية .
لكن كل ما بلغنا عنهم هو خوفهم على معنى “العقل” في زمن “الفتن”، كانت هذه المجموعة ترى أن العالم ينقسم بسرعة هائلة، مذهب ضد مذهب، فقيه ضد فيلسوف، والسلطة تبحث عن طاعة لا عن معرفة، فقرروا أن يخوضوا “مغامرة” هادئة ومكثّفة تحت اسم “أخوان الصفا” ..
لم تكن هذه المجموعة حزبًا أو طريقة صوفية ولا مدرسة فقهية، فقط كانوا “جماعة معرفة”، مشروع يقول أن الحقيقة واحدة، وأن العلم بلا أخلاق خطر، والدين بلا عقل تعصّب، والفلسفة بلا روح غرور، فحاولوا أن يجمعوا هذه العناوين في إنسان واحد، فكتبوا رسائلهم التي بلغت (52 رسالة)، عن الحساب والفلك والموسيقى والمنطق والسياسة والنفس، موسوعة كاملة لم يكن هدفها جمع المعلومات فقط، فهي ليست “إنسكلوبيديا”، بل كان هدفها تهذيب الإنسان ..
كانت هذه المجموعة “غير المعروفة” على قناعة تامة أن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح النفس، وأن “المدينة العادلة” تحتاج إنسانًا “عادلًا”، تأثروا بأفلاطون وأرسطو، علوم اليونان والرومان وعلوم الفرس والهند والشرق الأدنى، لكنهم حاولوا أن يصنعوا “توليفتهم” الخاصة، عقل عربي – إسلامي واسع يرى العالم وحدة متناسقة، ويرى الإنسان جزءًا من هذا الانسجام، لا سيّده ولا ضحيته ..
اشتغلت هذه المجموعة بصمت وسرّية لأن زمانهم كان قاسيًا، الصراع المذهبي كان حادًّا في ذلك الزمن، والسلطة آنذاك كانت تخاف من “الأفكار الحرّة” فاختاروا الطريق الآمن، جماعة بلا أسماء، فكرة بلا قائد، رسالة ستمشي وحدها، ومشت .. لكن هذا المشروع لم يستمر طويلًا لأن زمن “اليقينيات” كان أقوى، زمن “التطرّف” كان أقوى، لأن الناس تُحب “الإجابات السريعة” أكثر من “السؤال الطويل”، لأن “العقل المركّب” يحتاج صبرًا لا يملكه الجميع، ومع ذلك بقيت رسائلهم شاهدةً على لحظة نادرة في تاريخنا، لحظة حاول فيها “العرب” في القرن العاشر الميلادي أن يبنوا موسوعة للعالم كله، أن يجمعوا العلم بالدين والسياسة بالأخلاق والفلسفة بالحياة ..
“أخوان الصفا” لم يكونوا ملائكة ولم يكونوا أنبياء، كانوا مجرّد بشر خائفين على حضارتهم وثقافتهم، حاولوا إنقاذها، وهذه المحاولة وحدها تستحقّ أن نتذكّرها، لأن الحضارات لا تعيش بالقوة وحدها، تعيش تلك الحضارات عندما يجرؤ بعض أبنائها على السؤال، عندما ينهض الناس رفضًا للظلم وإحقاقًا للحق ورفع الغبن، وعندما تكون الجسور المبنية بين أركان المجتمع متينة ومعبّدة بالأخلاق والقيم ..
ما أشبه “السنّة” اليوم بـ “أخوان الصفا” في القرن العاشر الميلادي، يريدون حياة العلم والعقل، وعلاقات الإنسان بالانسان، بينما البقية في هذا البلد، ينظرون إليهم بـ “خوف شديد” تارة وبـ “استخفاف كريه” تارة أخرى، فإن ثاروا مطالبين بحقوقهم أسوة بالبقية، مجلدات الاتهامات معلّبة وجاهزة تحت العبارة الفضفاضة “الإرهاب”، ينظرون إليهم كـ “ملحق” لا أكثر، مرة “سرايا” ومرة “على هذه “المائدة” أو تلك، ومرة “حصّالة” أصوات في عدّاد الانتخابات ..
أن تكون سنّيًا الآن !! .. يعني أن تقبل بما يفصّله هذا المسؤول أو ذاك من بنود في “قانون العفو”، وكأن هذا القانون يعني “السنّة” وحدهم، ويعني أن تقبل بـ “الظلم” الذي طاول شريحة كبيرة من ناسهم وأن تقبل بالأحكام التعسفية وترحيل المحاكمات لسنوات وسنوات، على قاعدة “يرضى القتيل”، ويعني أن تبلع لسانك قلا تنطق بـ “الحق”، أما إن فعلت وصرخت وواجهت، فأنت مع “قتلة الجيش” وتدافع عن الإرهاب، وعندما تواجه بالحقيقة والمنطق فأنت “داعشي” ..
“السنّة” يبحثون دائمًا عن تفعيل العلاقة بين “العقل” و “الحياة”، يبحثون عن الحفاظ على بلادهم ومجتمعاتهم مستندين إلى قواعد “العلم والمعرفة”، وحدهم من دون سائر الأطراف لم يتناولوا الأفكار التقسيمية من فيدرالية وكانتونات مذهبية، بل هدفهم على الدوام ما ورد في مقدمة الدستور “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”، ورغم ذلك سهام الاتهامات تنهال عليهم من كل حدب وصوب، بينما البقية ينطبق عليهم هذا التوصيف .. القطُّ الذي يحلمُ أن يكون أسدًا، عليه أن يُفطَم أولًا عن ملاحقة الفئران ..
“لا تشيلوا ما فيكم وترموه على السنّة” .. شكرًا لكم ..
