فلسفة التكييف.. ودول العتمة

بقلم إلياس عيسى إلياس

في صالون البيت، وفي هذا الصيف الخانق برطوبته، كنت أراقب أطفالي يتنقلون كالفراشات، غير آبهين بحرارة أثقلت أنفاسنا نحن الكبار. تذكرت حينها تلك الشكوى اللبنانية الأزلية من “الشوب”.
 
وقادني المشهد ألياً إلى سجال قرأته على “إكس”؛ حيث استعاد إيلون ماسك مقولة لمؤسس سنغافورة، “لي كوان يو”، يصفه فيها بالعبقري لأنه أدرك مبكراً أن تكييف الهواء ليس مجرد رفاهية، بل هو السر الذي حرر طاقات البشر في بلاد الشحار والحر بعد رحيل الاستعمار.
 
ابتسمت أول الأمر؛ إذ كيف لجهاز كهربائي يُطلق طنيناً خفيفاً في زاوية الغرفة أن يقترن بنهوض الأمم؟
 
لكن التغريدة لم تكن دعابة، بل وضعتني أمام سؤال يؤرقني كلما طالعت محاولاتنا المضنية لصناعة أمل في لبنان: كيف تهيئ المجتمعات بيئته التصنع دولة؟
 
المفارقة تتجلى أمامنا اليوم في قلب أوروبا، التي يلفحها الهجير بـ 38 درجة مئوية. تُظهر تقديرات وكالة الطاقة الدولية أن نحو ربع المنازل الفرنسية فقط يملك تكييفاً، مقابل كاسح يتجاوز 90% في أمريكا.
 
يعود ذلك لسبب مناخي يرتبط بشتاءات القارة القديمة، لكن ثمة جهة أخرى للمسألة: كبرياء ثقافي ينظر للتكييف كمجون استهلاكي أمريكي! أضف إلى ذلك بيروقراطية صارمة ترفض تعديل واجهات الأبنية التاريخية.
 
وهكذا، تجد فرنسا نفسها—وهي التي تتغنى بطاقتها النووية—عاجزة عنحل معضلة يومية: كيف تتنفس وتركز في مكتبك صيفاً؟
 
لكن، هل المشكلة حقاً في درجات الحرارة، أم في طريقتنا في إدارتها؟
 
هنا بالتحديد تصدمني عظمة البراغماتية عند “لي كوان يو”. فالرجل لم يكن يحلم بالرفاهية عندما أمر بتركيب المكيفات في الإدارات العامة فور استقلال سنغافورة؛ بل كان ينظر إلى دماغ الموظف: الطقس المداري الخانق يحول الفكر إلى حساء كسلان!
 
لكن السحر لم يكن في التبريد وحده. أدرك المصلح الكبير أن تبريد الجسد لا ينفع إن كانت الرؤوس مشتعلة بالتعصب.
 
كانت سنغافورة خليطاً متفجراً من صينيين وهنود ومالايو. ولو حاول أي مكوّن فرض هويته على الآخرين لذهبت البلاد إلى جحيم لا تطاق.
 
صاغ الرجل عقداً اجتماعياً خشناً ورصيناً: “عش ودع غيرك يعيش”. جعل الكفاءة هي الهوية الوحيدة، وطارد الفساد كعدو شخصي، وجبر الجميع على السكن والتعليم المشترك.
 
باختصار: لم يكتفِ بتبريد الهواء في المكاتب، بل أطفأ الحريق الاجتماعي والسياسي أولاً.
 
وهنا تتأزم الصورة وأنا ألتفت إلى حالنا في لبنان. نحن لا نعاني من صيف مناخي ينسخ حرارة سنغافورة فحسب، بل من صيف سياسي لا يطاق.
 
في مكاتب وزاراتنا، ترى الموظف يجلس في عتمة خنقها انقطاع التيار، يمسح عرقه بخرقة، قبل أن يستسلم ويرحل منتصف النهار لأن العمل استحال جحيماً.
 
هل المشكلة تقنية في شركة الكهرباء؟ قطعاً لا. هذا الشلل هو البصمةالوراثية لنظام محاصصة طائفية يفضل أن يحترق الجميع على أن يتنازل زعيم عن حصته.
 
ينتهي اليوم الصيفي الطويل. أعود لرقش هذه الكلمات وأنا أرقب حيوية أطفالي، فيصلني يقين قاطع: الأوطان لا تُبنى ببيانات الاستنكار ولاالكبرياء الفارغ.
 
قد يكون المكيّف صفيحة معدنية تبرد الهواء، لكن تبريد الانقسامات وجعل العقل يعمل ببرودة وحكمة… هو الشرط السياسي الوحيد الذي يصنع الحضارات.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top