
بقلم الياس عيسى الياس
لم تكن المشاهد القادمة من شواطئ سبتة مجرد أزمة حدودية سريعة الزوال، بل شكّلت لحظة مكاشفة قاسية حول حدود المنظومة الأوروبية لإدارة الأزمات.
فعندما يتدفق عشرات الآلاف من الوافدين والمهاجرين غير النظاميين خلال أربع وعشرين ساعة فقط — في تدفق استثنائي يعادل أكثر من نصف سكان المدينة البالغ عددهم 84 ألف نسمة — ويسقط ضحايا ومفقودون بين أمواج البحر وتدافع الأجساد، تتوارى التفسيرات الأمنية التقليدية.
ويتحول ذلك المعبر الضيق إلى مرآة تعكس هشاشة الترتيبات القارية.
بدأت الموجة، بحسب تقارير ميدانية وتغطيات إعلامية متطابقة، عقب انتشار شائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي تزعم فتح المعبر الإسباني. وفي لحظات، اندفعت حشود كبيرة من الشباب والعائلات نحو الحدود، بالتزامن مع تراجع في الجاهزية الأمنية في الجانب الآخر خلال عطلة رسمية.
المنظر الميداني كان معقداً للغاية؛ آلاف يفترشون الأرصفة والحدائق، وكانبين الحشود آلاف القاصرين بحسب تقديرات حقوقية وميدانية.
ومع وصول مراكز الإيواء إلى طاقاتها الاستيعابية القصوى، تزايدت المخاوف من تداعيات بيئية وصحية. وحتى مع تسريع مدريد إجراءات إعادة الفارين — حيث عاد بالفعل عشرات الآلاف عبر الحدود بمعدلات قياسية — بقيت مشاهد انتشال الضحايا من البحر تطرح أسئلة عميقة حول نجاعة آليات السيطرة والضبط.
ولم تقف التداعيات عند الشاطئ، إذ فجّرت الأزمة أزمة ثقة حادة داخل البيت الأوروبي.
في الوقت نفسه، اتخذت روما موقفاً متشدداً بالتهديد بتجميد ترتيبات”شنغن” مع مدريد والمطالبة بتشديد الرقابة الحدودية، وهو موقف حظي بدعم علني من هلسنكي.
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، لم يفوت دونالد ترمب الفرصة لاستغلال المشهد في الخطاب السياسي الأمريكي، محذراً ناخبيه من سيناريو مشابه في حال فوز الديمقراطيين بالانتخابات النصفية المقبلة.
من جانبها، دخلت المفوضية الأوروبية على خط الأزمة عبر تصريحات لرئيستها أورسولا فون دير لاين شددت فيها على ضرورة “الترحيل السريع” للمهاجرين وتفكيك شبكات التهريب.
غير أن هذا الخطاب الصارم لم يُجب عن السؤال الأعمق المتعلق بقدرة المنظومة الأوروبية على إدارة أزمات من هذا النوع بآليات موحدة.
تتجلى المعضلة الحقيقية في الفجوة بين الأدوات المتاحة والتطبيق العملي.
نظرياً، تملك أوروبا أدوات قانونية كان يمكن أن تخفف العبء عن إسبانيا، كآلية «الحماية المؤقتة» — وهي الأداة ذاتها التي فُعّلت سريعاً لاستيعاب اللاجئين الأوكرانيين — أو «ميثاق الهجرة واللجوء» الذي ينص في جوهره على تقاسم أعداد الوافدين وتوزيع أعباء الاستقبال بين دول الاتحاد بدلاً منترك الكلفة كاملة لدول المواجهة كإسبانيا.
غير أن هذه الأدوات تحولت نفسها إلى محل خلاف سياسي وقانوني محدم بين العواصم الأوروبية؛ فبدلاً من التكاتف لإدارة الأزمة، طغت الحسابات الداخلية وسارعت بعض الدول للتهديد بتقييد الحركة عبر حدود «شنغن».
يضاف إلى ذلك أن غياب التنسيق المسبق لرصد الشائعات وتفكيكها قبل التدافع الميداني كشف أن أزمة الاستجابة لا تقف عند حدود الميدان، بلتعود إلى تضارب الإرادات السياسية والتعقيدات الإجرائية.
ولا يجادل أحد في الحق السيادي للدول الأوروبية في حماية حدودها وتطبيق قوانين الهجرة؛ فهذا مبدأ راسخ في القانون الدولي.
إلا أن المعضلة تكمن دائماً في آليات التطبيق. فالقانون الدولي نفسه يُلزم بفحص كل حالة لجوء على حدة احتراماً لمبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو إجراء يغدو شبه مستحيل عملياً أمام تدفق عشرات الآلاف في ساعات قليلة.
من جهة أخرى، استغلت شبكات التهريب هذه الثغرات القانونية والتشغيلية؛ إذ تدرك هذه الشبكات تماماً تعقيدات قوانين اللجوء الأوروبية وتضاربها بين دولة وأخرى، فتستغل البطء الإجرائي وقيود الترحيل الفوري لصنع حالة أمر واقع، وتوظيفها أدوات للضغط السياسي والمناورة الميدانية.
ورغم استمرار التعاون الدبلوماسي والأمني بين مدريد والرباط لضبط الميدان، فإن التجربة أثبتت أن الأسوار والحواجز البحرية لا توفر حلاً مستداماً بمفردها.
تكشف أزمة سبتة أن المعضلة الأوروبية لم تعد تقتصر على ضبط الحدود، بل أصبحت اختباراً لقدرة الاتحاد على التوفيق بين مقتضيات الأمن والالتزامات القانونية والإنسانية.
وحتى مع انحسار موجة العبور الميدانية اليوم وتراجع الأرقام، فإن التحدي الذي كشفته أسوار سبتة سيظل مطروحاً كلما اصطدمت القيم المعلنة بضرورات حماية الحدود.
