
بقلم الياس عيسى الياس
يقف لبنان اليوم أمام طاولة المفاوضات لانتزاع وقف دائم لإطلاق النار في الجنوب، لكنه يفاوض على رقعة إقليمية تشتعل بالصراعات ولا تتجه نحو الاستقرار.
هذه هي المفارقة الشائكة التي تحكم واقعنا.
فالدولة اللبنانية تفاوض من موقع يفتقر إلى أوراق الضغط الفعالة، لسبب بسيط ومؤلم: قدرتها على التأثير في المعادلة لا تتناسب إطلاقاً مع حجم المسؤولية التي تتحملها أمام مواطنيها.
ولم تكن الجولة السابعة التي استضافتها روما مؤخراً سوى مرآة جليّة لهذا المأزق.
صحيح أنها لم تكن كوارثية أو فاشلة كما سارع البعض إلى وصفها؛ إذ فتحت الباب للمرة الأولى لبحث تقني في ملف الحدود البرية واستبقت ملف الأسرى قيد البحث.
لكنها في المقابل فشلت في إحراز أي تقدم في المطلب اللبناني الأساسي المتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار، وأقفلت الطاولة على وعود بجولة مرتقبة في أيلول لم تُحسم تفاصيلها بعد.
هذا الانسداد الدبلوماسي في روما لا ينفصل عن واقع الأرض في الجنوب، بل هو امتداد طبيعي له.
فبينما تحاول المؤسسات الرسمية التمسك بالتفاوض كخيار أخير لتجنيب البلاد سيناريوهات أكثر كارثية، يقرأ أهلنا هناك المشهد بعين مختلفة تماماً.
هم لا ينتظرون البيانات الرسمية، بل يراقبون الأفق بحذرهم الموهوب من تراكم الحروب، مدركين بخبرة المأساة أن الهدوء على أرضهم لم يكن يوماً برهان سلام، بل مجرد استراحة قصيرة بين عاصفتين.
وحذر الجنوبيين هذا ليس مجرد هواجس، بل استقراء دقيق لميزان القوى الإقليمي الذي يكبّل الطاولة الدبلوماسية.
فالواقع الميداني يشير إلى أننا لسنا أمام انهيار كامل للمحور الإيراني.
الأصح أننا أمام عملية إعادة تموضع وتوزيع للأدوار بين الساحات، من العراق واليمن وصولاً إلى البحر الأحمر.
والمأزق اللبناني يكمن تحديداً في هذا النمط متعدد الجبهات؛ فهو يمنح أطراف الصراع قدرة أعلى على التكيف والمناورة، بينما يترك جنوبنا جبهة هشّة ومكشوفة لمختلف أشكال الضغط.
من هذا الاختلال الميداني تحديداً، تستمد إسرائيل هامشاً واسعاً من حرية الحركة العسكرية.
فتتذرع بالتعثر التفاوضي وغياب التوافق الدولي لترفض تقديم ضمانات جادة بوقف غاراتها وتفجيراتها اليومية، أو للالتزام بجدول زمني لانسحاب كامل.
وهكذا نجد أنفسنا مشدودين مجدداً إلى القناعة الأكثر إيلاماً: إن مشكلتنافي لبنان ليست في حجم الثمن الذي ندفعه، بل في أننا ننزف دوماً في أزمات لم نكن نحن من كتب سيناريو بدايتها.
نحن لا نخشى الحرب لمجرد الخوف، بل لأننا نُستدرج دائماً لتلقي نتائج صراعات لم نملك يوماً قرار خوضها.
ولا سبيل للخروج من هذه الحلقة المفرغة إلا بمواجهة الحقيقة السيادية المسكوت عنها: إن حصر السلاح والقرار الأمني بمرجعية الدولة ومؤسساتها الشرعية ليس شعاراً سياسياً ولا مادة للمساومة الحزبية، بل هو شرط الوجود الأول لأي دولة تريد أن تفاوض بشرف وتحمي مواطنيها.
فالسلطة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلام ستظل مكبلة عن فرض شروطها على الطاولة، وستبقى سيادتها مجرد عنوان في البيانات الرسمية.
وطالما بقي هذا القرار معلقاً، ستظل حدودنا الجنوبية مسرحاً مفتوحاً لتصفية حسابات الإقليم، وسيبقى الوطن رهينة لتوازنات تتغير خارج حدوده، فيما يظل جرح الإنسان هنا هو الوحيد العصي على التكيف، والجنوب مهدداً، مرة أخرى، بمرور عاصفة الآخرين فوق أرضه.
