العفو العام في لبنان : حين يصبح العفو أسهل من المحاكمة

بقلم الياس عيسى الياس

 في بلدٍ تتأخر فيه المحاكمات لسنوات طويلة، تصبح العدالة بطيئة إلى حد يفقدها جزءاً من معناها، فيغدو العفو أسرع منها وأسهل. مع إقرار مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام وتخفيض العقوبات — وهو أول قانون عفو عام وشامل يُقرّ منذ عام 1991 — يتصاعد الجدل حوله بين من يراه مخرجاً إنسانياً ومن يراه تكريساً لثقافة الإفلات من العقاب، لتنقسم المشاعر بلا هوادة. ففي طرفٍ من المشهد، تقف عائلات أمضى أبناؤها سنوات خلف القضبان دون محاكمة حاسمة تنتظر الإفراج عنهم. وفي الطرف الآخر، تقف عائلات الضحايا تتوجس من أن تُسقط التسويات النيابية مبدأ المحاسبة، حتى وإن نصَّ القانون صراحةً على صون حقوقها المدنية وحقها في “الحق الخاص”. ماذا نقول لعائلة ضحية حين نطلب منها قبول العفو باسم السلم الأهلي وهي لم تحصل بعد على الحقيقة؟ وفي المقابل، ماذا نقول لموقوف احتياطياً قبع في السجن لسنوات دون أن تثبت إدانته أو براءته؟ بين هذين السؤالين الأخلاقيين، يتكشف أن اللجوء المتكرر إلى التشريع الاستثنائي هو اعتراف صريح بعجز المنظومة عن إدارة ملف العدالة في وقتها الطبيعي. قانوناً، يقتضي الإطار المفاهيمي التمييز بين العفو الخاص والعفو العام؛ فالأول صلاحية دستورية لرئيس الجمهورية تتناول حالات فردية فتُسقط العقوبة أو تستبدلها مع الإبقاء على الحكم ثابتاً. أما العفو العام فهو تدبير تشريعي يمحو، في الحدود التي يحددها النص، الآثار الجزائية المترتبةعلى الجرائم المشمولة به. وفي الأصل الفلسفي والقانوني، ليس العفو العام إجراءً معيباً؛ بل هو تدبير استثنائي تملكه السلطة التشريعية لترميم السلم الأهلي عقب الأزمات الكبرى. لكن الخطر يكمن حين يتحول هذا الاستثناء إلى آلية دورية لتغطية العجز المؤسسي، فيغدو مساراً موازياً يحل محل تطبيق أصول المحاكمات الجزائية وتحديث المنظومة العقابية. تؤكد قراءة التاريخ التشريعي أن العفو ليس حدثاً طارئاً، بل هو نمط متكرر عند كل مفترق حرج. فقانون 1958 جاء لترميم التوازنات عقب أحداث ذلك العام، وتلاه قانون العفو رقم 8/1969. أما قانون العفو رقم 84 لسنة 1991 فكان المحطة الأوسع نطاقاً لإغلاق ملفات الحرب الأهلية. ثم تكرر الخيار عبر قوانين محددة النطاق؛ كالقانون رقم 666 لسنة 1997 الخاص بجرائم المخدرات الذي استفاد منه نحو 7 آلاف شخص لمواجهة واقع اجتماعي ضاغط، وقانوني سنة 2005 (رقم 677 ورقم 678، حيث استفاد من الأخير 17 متهماً) اللذين أفرزتهما مقايضة سياسية صريحة أفرجت عن سمير جعجع بالتوازي مع موقوفي الضنية ومجدل عنجر. وفي الواقع اللبناني اليوم، يتغذى هذا التشريع الاستثنائي من أزمات السجون المتراكمة؛ فالاكتظاظ الحاد، وتأخر المحاكمات، وتراكم آلاف الملفات والملاحقات والمعاملات المعلقة بين موقوفين ومطلوبين، تُستعمل كلها ذريعة لإقرار العفو، بدلاً من أن تكون دافعاً مستوجباً لإصلاح القضاء. تتجلى الإشكالية في تحول التشريع الجزائي إلى ساحة للمقايضة السياسية؛ إذ تُدرج ضمن حزمة تشريعية واحدة فئات متباينة، كزراعة القنب أو المخالفات غير المكررة، إلى جانب معالجة ملفات الفارين إلى إسرائيل منذ عام 2000 أو التسوية على قضايا أمنية أخرى. هذا التعاطي يسهم في تراجع المفهوم الفردي للمسؤولية الجنائية، القائم على قياس جرم كل شخص وحقه بمحاكمة عادلة. كما يهدد بتغليب الاعتبارات السياسية والتوازنات الطائفية على مبدأ المساءلة الفردية وضمانات العدالة. وحين نُقارن هذا المسار بالمعايير الدولية لترميم مجتمعات ما بعد الأزمات، يتضح الفارق بين العفو كمسار للمصالحة والعفو كإجراء إداري لتجاوز الأزمة. ففي تجارب العدالة الانتقالية، كما في جنوب أفريقيا التي يُستشهد بها عالمياً كعلامة فارقة في هذا المجال، لم تكن تجربة “لجنة الحقيقة والمصالحة” نموذجاً جاهزاً للاستنساخ، لكنها قدمت درساً مفاده أن العفو لا يكون مجرد محو أعمى للملفات، بل يرتبط بالإفصاح الكامل والعلني عن الوقائع وصون حقوق الضحايا. الفارق هنا ليس في وجود العفو أو غيابه، بل في المسار الذي يسلكه: هل نكشف الحقيقة لنتجاوز الماضي أم نطويه دون معالجة؟ عندما تتراكم الملفات داخل منظومة قضائية تعاني أصلاً من التأخير وتعدد مسارات الاختصاص، يتسلل العفو كخيار تسووي يلغي الحاجة للمحاكمة بدل علاج أسبابها. ومن هنا يتصل هذا المشهد الشامل بملف القضاء العسكري أيضاً؛ حيث يُشكل الإبقاء على اختصاصات استثنائية له في محاكمة المدنيين ثغرة رئيسية. وقد تتحول قوانين العفو الدورية، في غياب الإصلاح البنيوي، إلى وسيلة لامتصاص النقمة وتنفيس الاحتقان السياسي والأمني الضاغط. صحيح أن استثناء الجرائم الكبرى والاعتداءات على الجيش والجرائم المصرفية يُعد خطوة محسوبة لحماية استقرار القطاع المالي وأموال المودعين، إلا أن ذلك لا يُغيّر من جوهر المشكلة؛ إذ إن الخروج الحقيقي منهذه الحلقة المفرغة يبدأ بنقل المقاربة من إصدار قوانين عفو كلما ضاقت السجون، إلى إطلاق ورشة حقوقية جادة تُعزز استقلالية القضاء، وتُسرع المحاكمات، وتُفعل العقوبات البديلة، وتصون حق الضحايا في معرفة الحقيقة. المشكلة الحقيقية في أي قانون عفو لا تكمن فقط في استثناءاته الفنية، بلفي تعاطي الدولة معه بوصفه الحل الأسهل والأقل كلفة سياسية. فحين يتحول العفو العام من استثناء قانوني أخير إلى الطريق الأسهل للخروج من أزمات الدولة، لا يكون القانون قد انتصر على الأزمة، بل تكون الأزمة قد انتصرت على القانون.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top