
بقلم الياس عيسى الياس
حين تُغلق السياسة منافذ الفعل المباشر وتنسدّ آفاق التغيير، لا يستسلم الإنسان للصمت مطلقاً.
هو يبحث دائماً عن منافذ بديلة يحفظ فيها كرامته المعنوية ووجوده؛ فيلجأ إلى الحب، أو الشعر، أو السخرية، كي يعيد بناء مساحة يستطيع فيها أن يكون حراً وفاعلاً.
ليس المقصد هنا أن الأدب يحل محل السياسة أو يعالج انهيار المؤسسات، بل إنه يعالج الإنسان الذي يعيش ذلك الانهيار. هذه هي الفكرة الجوهرية التي تملكتني وأنا أقرأ كتاب “حديث الأربعاء” للدكتور طه حسين؛ إذ لمأشعر أنني أمام مجرد نقد أدبي أو استعراض لتاريخ الشعر، بل لمست تشريحاً لطريقة تعافينا من الخيبات.
فالشعر العربي لم يكن مجرد كلام مسبوك في أوقات الرفاهية، بل كان في كثير من الأحيان ملاذاً نفسياً صادقاً لحماية الذات أمام قسوة التحولات، حيث يظهر الفن صرخة خفية للروح.
التاريخ الأدبي يعلمنا أن الهزائم لا تقتل الخيال دائماً، بل كثيراً ما تكون التربة التي ينبت فيها الإبداع. وكي نفهم كيف يتحول الإحباط العام إلى أثر يتجاوز الزمن، يمكن التوقف عند المرحلة التي تلت قيام الدولة الأموية وتثبيت دمشق عاصمة للحكم.
لقد أدى ذلك التحول إلى تغيير موقع الحجاز في المعادلة السياسية؛ فبعدما كان يحتل موقعاً مركزياً في الحياة السياسية والدينية للدولة الناشئة، وجد جزء من نسيجه الاجتماعي نفسه بعيداً عن مركز إدارة الحكم، مما ولد شعوراً بالتهميش وضيق أفق الطموح.
وفي ظل ما أتاحه الثراء والعطاء من أنماط جديدة من الحياة، برزت مع المتحول اجتماعي أسهمت في تخفيف بعض آثار التراجع السياسي. لكن الرخاء لم يكن قادراً على إطفاء الإحساس بالخسارة، وهو ما جعل الحساسية الشعرية تنقسم بين متعة الحواضر ولوعة الصحراء.
في مدن كالحاضرة المكية والمدينية، حيث توفر المال وتراجع الأمل في استعادة الدور السياسي، برز تيار الغزل الصريح مع عمر بن أبي ربيعة. ولعل في هذا التحول شيئاً من التعويض الرمزي؛ إذ بدا كأن ابن أبي ربيعة، باستغلال نسبه وثراءه وتجاوز القواعد المألوفة، يسترد في مسرح الحب والتغزل مركزيةً وفاعلية لم يعد يستطيع امتلاكها في مسرح السياسة والإدارة، صانعاً لنفسه مساحة يكون فيها هو المطلوب والمرغوب.
وعلى الضفة الأخرى، في صمت الصحراء، وُلد الغزل العذري الحزين. وفي القراءة النقدية التي يقدمها طه حسين لهذه الشخصية، يرجح أن “مجنون ليلى” قد لا يكون حقيقة تاريخية يقينية، بل قناعاً رمزياً ابتكرته مخيلة شعراء البادية لمواجهة حرمانهم، ليبكوا من خلاله حباً مستحيلاً يعوضهم عن غاياتهم الضائعة.
وسواء اتفق الباحثون مع هذا الترجيح أم اختلفوا، فإن القيمة التفسيرية لهذه الفرضية تكمن في كشفها عن قدرة الروح على خلق الأساطير كي لاتتجمد أمام انسداد الواقع.
إن المقارنة بين هذه التجارب ليست مقارنة في ظروف الزمان أو طبيعة المظالم، وإنما في الآلية النفسية التي تتكرر عبر العصور: فعندما يفقد الإنسان قدرته على التأثير المباشر، يعيد خلق مجال يتغلب فيه على التهميش.
وليس لبنان المعاصر بعيداً عن هذا المعنى؛ فبعد سنوات طويلة من الخيبات المتتالية وتراجع القدرة على إحداث فارق ملموس، لم يصمت الوجدان العام، بل أعاد توجيه شحنته المكبوتة نحو وسائط أخرى.
لقد تجسد ذلك في السخرية والتشريح القاسي للواقع كما التقطه مسرح زياد الرحباني؛ إذ لم تكن السخرية مجرد فكاهة عابرة، بل غدت شكلاً من أشكال المقاومة النفسية التي تحمي الذات حين تعجز السياسة عن إنتاج التغيير.
إن التبصر في يأس ابن أبي ربيعة المترف في المدينة، وفي يأس “المجنون” الفاني في البادية، وفي لجوء الناس اليوم إلى السخرية والذاكرة، يكشف أن الضحك والبكاء والتغزل والجمال قد تكون من أدواتنا الأخيرة لترميم الذات.
قد تبدل السياسة العواصم، وتغير مراكز النفوذ، وتزول السلطات المتعاقبة؛ فالسياسة قد تربح معركة الحاضر، لكن الحب والشعر والفن يربحون، في النهاية، المعركة الأصعب: معركة الذاكرة والبقاء.
